"تزكيات" للبيع في "الرئاسية" التونسية

"تزكيات" للبيع في "الرئاسية" التونسية

20 أكتوبر 2014
الصورة
نموذج لشكوى مواطن وثّقتها "العربي الجديد"
+ الخط -

أمينة صحافيّة تونسية تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية، في مقهى وسط العاصمة تونس، أمكن لمعدي التحقيق لقاءها لمعرفة التجاوزات الانتخابية التي تعد أمينة إحدى ضحاياها.

تغيرت معالم وجه أمينة بعد قراءة رسالة موبايل أرسلتها لها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس لتكتشف تزكيتها لأحد المرشحين دون علمها، ورغم إلحاحنا للاطلاع على هوية المرشح، رفضت مدّنا بمزيد من التفاصيل وقررت رفع شكوى قضائية.

ما تمكن معدا التحقيق من التعرف إليه هو أن المرشح قد تم قبول ملفه من قبل الهيئة المستقلة للانتخابات، وأنه يُعد أحد كبار رجال الأعمال في تونس، ومن المقربين للرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي أطاحت ثورة الرابع عشر من يناير بحكمه.

تخشى أمينة من أن وضع اسمها ضمن قائمة التزكيات دون علمها - مثل الآلاف من التونسيين - سيشكل عائقا ويؤثر سلبا على العملية الانتخابية والمسار الانتقالي الديمقراطي في تونس، إذ يتطلع التونسيون إلى بدائل سياسية لإخراج البلاد من أزمتها الخانقة التي عرفتها طيلة خمسين سنة من حكم بن علي.

حالة أمينة ليست الوحيدة إذ أعلنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات اليوم أن عدد المخالفات بلغ أربعة آلاف وخمسمائة مخالفة، حسب تصريح شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والذي قال إن القضاء سيأخذ مجراه للحكم في هذه التجاوزات، في الوقت الذي أعلن عدد من متابعي الشأن العام في تونس عن تخوفهم من ظاهرة المال السياسي.

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كانت قد أعلنت عن خدمة التعرف إلى وجود اسم المواطن ضمن قوائم المزكين للمرشحين، والتي تتم بإرسال المواطن رسالة (*195 ثم الرقم الوطني) إلى الهيئة المستقلة والتي ترد فورا على الرسالة بجواب حول ما إذا كان المواطن قد زكى مرشحا بعينه أم لا.

التقنية السابقة استحدثتها لأول مرة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات - المشكّلة بعد الثورة - من أجل استخدامها في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها 26 أكتوبر/تشرين الأول الجاري والرئاسية التي ستُجرى في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ضعف الرقابة الانتخابية

يُلزم قانون الانتخابات كل مرشح إلى الانتخابات الرئاسية بالحصول على عشرة آلاف تزكية، أي ما يُعادل 500 تزكية عن كل محافظة، من إجمالي 24 محافظة تونسيّة أو عشر تزكيات نيابيّة، فيما لا يلزم القانون المرشحين للانتخابات النيايبة بالشرط ذاته.

بلغ عدد المرشحين للانتخابات الرئاسيّة سبعين مرشحا تم قبول ملفات 27 ملفا منهم، في المُقابل، رفع بعض المرشحين ملفات طعوناتهم ضد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والتي لا تزال تحت أنظار المحاكم حتى ساعة كتابة هذه السطور.

أمكن لمُعدي التحقيق لقاء أيمن (اسم مستعار) وهو من أبناء قفصة جنوب غرب تونس، نتحفظ على ذكر اسمه وهويته بناء على رغبته، يقول الشاب الثلاثيني إنه قد تسنى له لقاء عدد من المرشحين الذين عرضوا عليه مبلغ 50 دينارا (30 دولارا) مقابل قائمة اسميّة تضم عشرين شخصا، تحمل الاسم الثلاثي "للمزكّي" ورقم بطاقة هويته الوطنية ورقم الموبايل.

إحدى الشهادات الأخرى التي تمكن "العربي الجديد" من توثيقها كانت الصحافيّة فاتن التي تعمل بأحد المواقع الإلكترونيّة، على أريكة تجلس محدثتنا، وهي تروي لنا قصة أحد معاوني المرشح الذي طلب منها قائمة اسمية مقابل مبلغ مالي يقدر بـ 255 دينارا (150 دولارا) كعربون أولي للحصول على القائمة في محافظة سليانة شمال غرب العاصمة تونس.

في استبيان -غير علمي- نشره معدا التحقيق على وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) حول التجاوزات التي تحدث في مختلف المحافظات، توصلا إلى أن ثلاثين من أصل مائة تونسي يخشون أن تكون هذه الخروقات مؤشرا سلبيّا لوقوع عمليّات تزوير في الانتخابات المقبلة، وهو ما من شأنه أن يكون سببا في تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في تونس.

في سياق متصل تعتبر إحصاءات الاستبيان أن ثمانية من بين عشرة تونسيين يقرون بأن المال السياسي في تونس، يستخدم من قبل رجال المال لشراء أصوات المواطنين، وسط التخوف من عودة النظام السابق للحكم في تونس، وهو ما يفسره القيادي في الجبهة الشعبية -يسار- عبد الجبار المدوري بأنه يأتي بسبب تغول المال الفاسد على المشهد السياسي في تونس، وارتفاع معدلات الفقر في صفوف المواطنين واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

ويضيف المدوري لـ "العربي الجديد" أنه لا بد من فضح تلك التجاوزات والتشهير بمرتكبيها وبكل من تورط فيها بشكل أو آخر، عبر إرساء نظم جديدة تحترم مبدأ المنافسة النزيهة والشريفة.

أموات وأمنيون في قائمات مرشحين

يعد تكرار أسماء المزكين في قوائم أكثر من مرشح أو وجود أسماء مزكين أموات وأمنيين من وزارة الداخليّة أبرز أسباب رفض الملفات الخاصة بالمرشحين من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فيما وجه عدد من المواطنين ممن وجدوا أسماءهم من المزكين لمرشحين دون علمهم أصابع الاتهام إلى المؤسسات الأمنية والجامعيّة التي تمتلك قواعد بيانات المواطنين.

"دنيا" مرشحة "حركة وفاء" - يسار - عن قائمة تونس 1 أكدت أنها تفاجأت بوجود أسماء عائلتها وأمها المتوفاة منذ سنوات ضمن قائمة المزكين لكمال مرجان أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس، ومن كبار رموز نظام بن علي.

وكانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والتي أدخلت تقنية الرسائل القصيرة ليتعرف المواطن عن إمكانية إدراج اسمهم في قائمة المزكين للمرشحين للانتخابات الرئاسية أعلنت أنها ستُقدم ملفات الطعون والشكاوى للقضاء.

ويبلغ العدد الإجمالي للناخبين المسجلين في الانتخابات القادمة 5 ملايين و236 ألف ناخب وفق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من جملة عشرة ملايين و982 ألفاً و754 وفق إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2014.

تعدٍّ على حقوق المواطنين الدستورية

في تصريح خص به "العربي الجديد" رئيس "حزب المجد" عبد الوهاب الهاني - وسط - أحد المرشحين الذين تم رفض ملف ترشحهم من قبل الهيئة والمحكمة الإدارية لتكرار أسماء المزكين له، يقول "نشر الهيئة المعطيات الشخصيّة للناخبين على موقعها الخاص ثم نقل المواطنين للقوائم ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر تعد صارخ على الحق الدستوري للمواطنين التونسيين في التمتع بالخصوصية".

وكانت المحكمة الإدارية في تونس قد قررت رفض دعاوى 5 مرشحين للانتخابات الرئاسية إضافة للهاني، كلهم تقدموا بطعون بشأن رفض الهيئة العليا المستقلة ملفات ترشحهم بشأن تكرار أسماء المواطنين المزكين للمرشحين.

يضيف الهاني في ذات السياق أن الهيئة اكتفت بنشر التزكيات الشعبية من قبل المواطنين ورفضت نشر التزكيات النيابية من قبل أعضاء المجلس الوطني التأسيسي والتي تدخل في خانة المعطيات العامّة.

من أهم التجاوزات التي رصدها معدا التحقيق بناء على شكاوى المواطنين ووفق ما سجلته الهيئة المستقلة لرصد التجاوزات أن غالبية الخروق وقع تسجيلها في المحافظات الداخلية ( قفصة والقصرين وجندوبة وسيدى بوزيد ) خاصة تلك التي تنعدم فيها الرقابة الانتخابية والإعلامية بسبب عدم توفر العدد البشري الكافي والإمكانات المادية وتباعد المناطق التي من المفترض الوصول إليها من قبل وسائل الإعلام.

عضو في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات – رفض ذكر اسمه - قال لـ "العربي الجديد" إنه تمكن من رصد خروقات في محافظة قفصة التي تقع جنوب غرب تونس، منها حالة أحد المواطنين الذي ورد اسمه في قائمة كبار رجال الأعمال والمرشحين للانتخابات الرئاسيّة دون علمه، وقد تم تغيير مكتب الاقتراع الذي سيقوم بالتصويت فيه.

في سياق متصل كان الناطق الرسمي باسم إحدى أكبر شركات النقل، قد أكد لـ"العربي الجديد": "صحّة المعلومات التي راجت حول تزوير تزكيات موظفي الشركة والاستيلاء على قاعدة بياناتهم لفائدة أحد المترشحين للرئاسيات.

ومن جهته يقول القيادي في الحزب الجمهوري - تقدمي - ومرشح للانتخابات التشريعية المولدي الزوابي أن أهم التجاوزات تحدث في المناطق الحدوديّة التي تصعب السيطرة والرقابة عليها بسبب الطبيعة الجغرافية والتضاريسية المُعقدة والصعبة والتي تتطلب معرفة دقيقة بسبب صعوبة التنقل داخلها ناهيك عن ضعف العدد البشري المخصص من طرف الهيئة للرقابة.

ويعتبر الزوابي أن مثل هذه العوامل ستؤثر سلبا في توجيه الناخب نظرا لتفشي ظاهرة المال السياسي وانتشار الفقر في تلك المناطق.

ومن جهته يعتبر مالك الزغدودي (عضو ناشط في المجتمع المدني) أن الخروق التي يتم تسجيلها تعود إلى ضعف التجربة الديمقراطيّة وبرامج الأحزاب السياسية وحداثة المجتمع المدني في تأطير وتوعية المواطن رغم مجهود البعض من هذه المنظمات، ويضيف الزغدودي أن لا بد من تكثيف الجهود بهدف التصدي لمثل هذه الممارسات التي تساهم في عرقلة المسار الانتقالي في تونس، وتؤسس إلى عودة الاستبداد والظلم.