"ترويح النفوس ومُضحِك العبوس": القاهرة أيام المضحكخانة

21 فبراير 2020
الصورة
(بطاقة بريدية من القاهرة نهاية القرن التاسع عشر)
+ الخط -

ظلّ فنُّ الدُّعابة يحتل مرتبةً دُنيا في تراتبية الأعمال الفنّية. ولطالما نُظر إليه كنتاج دونيّ لا يرقى إلى مستوى الأجناس الأدبية أصلاً، ربّما بسببٍ من طبيعة السجلّ العامّي المستخدَم فيه، سجلٍّ يبتعد، قَصديًّا، عن قواعد الفصيح ويلامس دُعابات الناس العفوية ونُكَتَهم وهزلَهم.

ولعلَّ هذا الاقترانَ البنيويَّ بين الإضحاك واستخدام اللهجات المحلية هو ما حمَلَ النقّادَ على تَهميش فنّ الدعابة القوليّة، رغم ما يقتضيه من الدقّة في ترتيب الكلمات والتلاعب بمعانيها خلقًا لعلاقات تجاوُرٍ بينها وتنافرٍ. وليس شيءٌ أعسر من الإضحاك عبر إيحاءات الكلام وروابط التركيب.

وهذا هو الرهان الكبير الذي كَسبه الكاتب المصري حَسن الآلاتي (رحل سنة 1891)، في كتابه النادر: "ترويح النفوس ومُضحِكُ العَبوس"، الصادر سنة 1889. وتجدر الإشارة هنا، وهذا من المُحزنات، إلى الشحّ الشديد في المصادر حول حياة هذا الشيخ وتكوينه وآثاره، عدا شذراتٍ مقتضبة مبثوثة هنا وهناك.

ومن ذلك ما ذَكرَه المؤرّخ أحمد أمين عنه: "كان فاكِها لطيفًا، وكان يجتمع مع بعض أصحابِهِ في البيوت، يَتسامرون ويتنادَرون ويتكلّمون في الجدّ والهزل، ثم تسامَع بهم الأصحابُ فَكثروا وضاقت عليهم البيوتُ، فاتّخذوا لهم مقهًى في حيِّ (الخَليفة)، بالقرب من السيدة سكينة، وسمّوه: المضحكخانة الكبرى".

وبالفعل، تعود بداية قصّة هذا الكتاب الطريف إلى حدثٍ لافتٍ في التاريخ الاجتماعي لمصر الحديثة، وهو إنشاء مقرّ أطلِقَ عليه اسم "المَضحَكخانة"؛ أي "دار الضحك"، على غرار كتابخانة ودفتر خانة وغيرها من "مؤسّساتٍ" كانت سائدة إبّان الحكم العثماني لمصر.

وقد توَلّى حسن الآلاتي، ذو التكوين الأزهري التقليدي، الإشرافَ على هذه الدار، إثر تصويت رفقائِه الساخر، بغرض إدارة ما فيها من مسامرات ومحاورات ضاحكة وتدوين ما يجترحونه من الدعابات التي تتناول، رغمَ هَزْلها الظاهري، قَضايا الساعة وتذهب في الجِدّ إلى أقصى غاية؛ إذ كان مع أصحابه من ذوي الفكر والقَلم، يعيِّنون في كلّ جلسة محورًا ما، تُصاغ حوله النكت وعنه ينظمون ألاعيبَ الكلام، وهو ما يقتَضي تملُّكًا فعليًا لناصية القول وخلق علاقات بين الكلام، غيابًا وحضورًا، إيهامًا وتوريةً، حتى تستحضرَ كلُّ كلمةٍ مرجعياتٍ متباعدة وصورًا متضاربة، تحيل على التمثّلات التي ينشئها المخيال عن المجتمع، ولا ترتسم البسمة على الشفاه إلا حينَ يدركُ المتلقّي طرافة تلك العلاقة.

وبعد ذلك، قام بتدوين ما كان فيها من النكات في هذا المجلّد وضمَّنه صفحاتٍ طويلة من الأشعار والأزجال، وأغلبها بالعامية المصرية، تدور حول نقد مظاهر من السلوك الاجتماعي والسياسي وحتى القضائي في مصر، فضلاً عن قصص قصيرة ومراسلات طريفة وأحداث متخيَّلة، تستقي سداها من مرجعيات حيوانية مثل الكلب والحمار، ومن إيحاءات جسدية، بعضها موغلٌ في الصراحة والابتذال، ولكنَّ حسن الآلاتي أوردَ تلك المسامرات، على علّاتها، ليحافظ على الأسلوب التلقائي فيها وإلا نقض ما به يكون الإضحاك.

فقد نهض الإضحاك لديْه أسلوبًا ساخرًا، في كل صفحات الكتاب، على المزج العابث بين الفصحى التي يُؤتى بِمفرداتها من أجل التهكم، لا من أجل البَيان، وبين العامية المصرية التي يَتَلاعب بكلماتها وأصواتها وأصدائِها المتنافرة، في سبيل تَصوير مشاهدِ الحماقة والبَلَهِ، بما هي مَوقفُ سذاجةٍ واعيةٍ، يُشكّك في الجدية المصطنعة لأقنعة الحياة الاجتماعية الزائفة. ومن جهة ثانية اشتغلَ الآلاتي، في صياغة جُمَله، على الإيقاع الموسيقي، مستفيدًا من كلّ الموارد الصوتية التي يُتيحها الازدواج اللغوي من سجع وجناس وتقفية. ولا يغرب عن بالنا أنَّ نصَّه شفويٌّ بالأساس، يندرج ضمن فنّ الأزجال.

وهكذا ارتقى الآلاتي بالإضحاك وجعل منه "كفاءة" بالمعنى الخلدوني للكلمة، تُمكِّن صاحبَها من اجتراح صلات في الخطاب، تَتَهكم من العالَم ولا تؤذيه، وتَنتقد ما يقترفُ فيه من فظاعات وتفاهات. والغريب أنه صبَّ أجزاءَ من سخريته على ذاته، فكان عبثًا من نفسه وتهكّما على حظّه العاثر في مسالك الحياة.

وتجدر الإشارة هنا إلى عجز كُتب البلاغة القديمة وقصورها عن تحليل الوظائف التواصلية للإضحاك؛ إذ اقتصرت على درس جوانبَ عرضيَّة من "التهكُّم"، ولا سيما تلك التي صادفتها في القرآن أو في أبيات الشعر العالي. كما أنَّ الأسلوبيّين العرب المحدثين لم يتطرّقوا بعدُ إلى آليات السخرية، وهي من صُور الإبداع، ولم يفصّلوا بعدُ لطائفها، كما فَعَله زملاؤُهم الغربيّون.

ولعل كتاب "تَرويح النفوس" أن يمثّل مدونة مناسبةً للبدء في التحليل الأسلوبي لوجوه السخرية، لا باعتبارها عيبًا أخلاقيًّا ولا حتى اجتماعيًّا، بل باعتبارها، أوّلًا وأخيرًا، تصرّفًا في فنَّ الكلام وامتلاكًا لآليات القول الذي يؤدّي إلى الضحك والابتسام، بما هو عملٌ ذهنيّ محض، ولهذا تُطلق عليه البلاغة الفرنسية "mots d'esprit" بمعنى كلمات الذهن. إنها مدوّنة أخرى تنتظرُ الاستعادةَ عبر مقولات الجدّ وآليات التحليل النصّي، بعيدًا عن أحكام التسلُّط.

المساهمون