"تدخّل أجنبي" في السودان

"تدخّل أجنبي" في السودان

08 أكتوبر 2016
الصورة
حفل زفاف سوداني (أشرف شازلي/ فرانس برس)
+ الخط -
بطبيعة الحال، اختلف المجتمع السوداني عمّا كان عليه في الماضي. يرى عدد من الباحثين أن تغييرات كثيرة أثّرت على تركيبة المجتمع في البلاد، علماً أنه كان للوجود الأجنبي الدور الأكبر، بالإضافة إلى انفتاح البلاد على العالم. أخيراً، بدأت تظهر أنماط مختلفة في المجتمع السوداني، تتعلّق بالأزياء والطعام والسلوك والذوق وحتى الموسيقى، بعدما بدأ الناس يستمعون إلى فنانين من كلّ أنحاء العالم. ويرى البعض أن كلّ ما حدث ويحدث ظواهر سلبية، نظراً إلى تركيبة المجتمع السوداني، فيما يشير آخرون إلى أن هذا يعد تطوراً طبيعياً في الحياة.

بحسب إحصائيّات لوزارة الداخليّة السودانيّة، يمثّل الوجود الأجنبي في السودان (بما فيه غير الشرعي) نحو ثلاثة ملايين شخص، في وقت أشارت دراسة أعدّها الأستاذ الجامعي خليل عبدالله، إلى أن نسبة الوجود الأجنبي في العاصمة الخرطوم تقدّر بنحو 40 في المائة من السكان، من بينهم 700 دبلوماسي أجنبي في الخرطوم، و13 ألف طالب أجنبي. ويرى أن الوجود الأجنبي تهديد للأمن القومي والهوية السودانية، نظراً للتأثير السلبي على عادات المجتمع، وذلك من خلال لجوء بعض السودانيين إلى تقليدهم، لناحية المظهر أو اللغة.

بشكل أساسي، يمكن القول إنّه كان للوجود الأجنبي تأثير كبير على الشباب والأطفال. ويتجلّى ذلك من خلال ملابسهم وقصّات شعرهم ومناسبات الزواج. في ما مضى، كان يستحيل أن تجد فتاة سودانية تدخّن في الأماكن العامة أو حتى الخاصة. أما اليوم، فقد اختلف الأمر، وباتت رؤية فتيات يحملن سجائر في مطعم أو مركب على النيل أمراً عادياً، من دون أن يخشين الوصمة الاجتماعية. من جهة أخرى، بات كثيرون يستخدمون مفردات انكليزية خلال مخاطبة بعضهم بعضاً.

إلى ذلك، يلاحظ انتشار المطاعم السوريّة والمصرية والتركية والإثيوبية في البلاد، ما أثّر على الذوق الشعبي في البلاد. وبات كثيرون يفضّلون تناول "الكبة والزقني والفتوش". كذلك، انتشرت محال تجارية تعرض أزياء شعوب مختلفة، كإثيوبيا وغيرها.

في المقابل، يُلاحظ اختفاء التقاليد السودانيّة نسبياً، وإن كانت بعض المجموعات تنشط لتنظيم فعاليات وإحياء التقاليد والطقوس السودانية في ما يتعلق بالزواج وغيرها من المناسبات، خشية أن تزول إلى الأبد. في هذا السياق، تصف ريم، وهي طالبة جامعية، المجتمع السوداني بـ"الواعي"، لافتة إلى أنه لا يتبع الثقافات الأجنبية، مشيرة إلى أن التغييرات التي يشهدها المجتمع إيجابيّة ولا تؤثّر على هويّة البلاد.



من جهته، يقول أستاذ الصحّة النفسية، علي بلو، إن الانفتاح الكبير على الأجانب وضع السودانيين في امتحان حقيقي، لافتاً إلى "رسوبه". ويقول إن قدوم أجانب لديهم ثقافات مختلفة في ما يتعلق بالطعام والسلوك والعلاقات ساهم في تغييرات كثيرة في المجتمع، في ما يتعلق بالملابس وغيرها، ما أدى إلى اندثار الأزياء السودانية التقليدية. يضيف أنه حتى المائدة السودانية اختلفت في ظل انتشار المطاعم الأجنبية. ويرى أن هذه التفاصيل أدت إلى "صدام ثقافي ومجتمعي"، خصوصاً أن الوجود الأجنبي يؤدي إلى تغيير في الذهنية السودانيّة، ويدفع البعض إلى التمسك به علّهم يخفّفون من الرتابة والضجر، ويتخلّصون من الضغوط الاجتماعية والحياتية التي يعيشونها.

ويلفت بلو إلى أنّ هذه التفاصيل تنعكس على القدرة على العمل والرغبة في الحياة والزواج من أجنبيات، لافتاً إلى أن هذا "اختبار حقيقي للمواطن السوداني". ويرى أن كل ذلك ناتج من "عدم الاستعداد النفسي لهذه المعركة الحضارية التي يشكلها الوجود الأجنبي".

من جهتها، ترى الباحثة الاجتماعية، أسماء محمد، أنه عادة ما تتأثر المجتمعات بالوجود الأجنبي، مشيرة إلى دور الدولة في في ضبطه ومراقبته. وتوضح أنه بالتأكيد سيتأثر المجتمع بالثقافات الجديدة، لكن في الوقت نفسه، لا بد أن تعمل الدولة على تأمين التوازن. وتؤكد أن تأثيرات الوجود الأجنبي في البلاد واضحة، في ظل تراجع الاهتمام بثقافة السودان وتقاليده، حتى بات هناك فراغ، ما ساهم في انتشار ثقافات وسلوكيّات أجنبية في المجتمع. وتشير إلى مدى خطورة الأمر لأنه يؤدي إلى طمس الهوية السودانية، وخصوصاً أن التأثير يزداد بشكل كبير على الأجيال الصاعدة، ما يستدعي انتباه الدولة ومنظمات المجتمع المدني وكافة شرائح المجتمع.

دلالات