"بين الذاكرة والتاريخ": ما كان يمكن أن يحصل

21 فبراير 2016
الصورة
(جامع الزيتونة، تونس، بطاقة بريدية، 1899)
كثيراً ما يقال إن الكتابة التاريخية، رغم ما طوّرته من عناصر الانضباط العلمي، تظلّ ميدان مغالطات وتلاعب، غير أن الجزء غير المدوّن من التاريخ، والذي يمر عبر الأجيال، يمثّل هو الآخر ميدان تلاعب ولكن بأدوات أخرى. يطلق على هذا التاريخ المتداول وغير المكتوب تسمية "الذاكرة الجماعية". هذه الذاكرة، بحسب المؤرخ التونسي لطفي عيسى، لها قدرات على التلاعب أعلى بكثير من التاريخ.

يوم الجمعة الماضي، في مقر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في تونس، جرى تقديم المؤلّف الجديد لـ عيسى "بين الذاكرة والتاريخ: في التأصيل وتحوّلات الهوية" (منشورات "أفريقيا الشرق"، المغرب). عمل يعود فيه الكاتب إلى هذه القضية مطبّقاً إياها على مجال جغرافيّ بعينه، هو المغرب العربي.

قدّم الكاتب التونسي شكري المبخوت قراءة أشار فيها إلى أن علاقته بأعمال عيسى لم تبدأ بهذا المؤلف، وإنما مع أعمال سابقة مثل "كتاب السير" و"أخبار المناقب"؛ حيث أن اختصاصه في الأدب قاده إلى بحوث عيسى التاريخية التي تناولت أدب المناقب وسير الأولياء وحفرت في علاقتها بالاجتماعي والسياسي.

يشير المبخوت إلى أن هذه المدوّنة، ورغم ما فيها من خرافات، كانت تمثّل وسيلة من وسائل السيطرة على العنف وإدماج المهمّشين، وفي مرحلة ثانية ساعدت في بناء المجال الجغرافي الروحي إلى جانب بناء المجال الجغرافي الترابي.

من هنا، يشير المبخوت إلى أهمية بحوث عيسى باعتبار أن "المرحلة الاستعمارية جاءت لتخفي كل منجز سبقها، حتى أن عملية البناء هذه، إضافة إلى مبادرات التحديث بدت وكأنها مرتبطة بمجيء الاستعمار"؛ أي إن اللحظة الاستعمارية قامت بالتعمية على مجمل التاريخ المغاربي، ومن هنا تتأتّى ضرورة الحفر أعمق في تاريخ الذهنيات، مجال اختصاص لطفي عيسى.

من جهته، تحدّث المؤرخ التونسي عن مؤلّفه الجديد الذي يشكّل بنظره "كتابة تقع بين المقابسة والتمرين المعرفي"، ومن خلاله أراد أن يبرز أن "التفكير في التاريخ بات مبذولاً لكل تخصصات العلوم الإنسانية"، وهو يستدعي في عمله حول الذاكرة الجماعية نتائج لمدارس تاريخية متعددة وأخرى فلسفية، مثل أعمال جاك لوغوف أو بول ريكور.

يقرّ عيسى بأن السؤال عن العلاقة بين التاريخ والذاكرة سبقتنا إليه المعرفة الغربية، ليعلن أن أحد أهداف هذا الكتاب كان "جعل المفاهيم أهلية"، وعلى مستوى ثانٍ "تقريب ما هو جاف مفاهيمياً إلى الثقافة العامة والتساؤلات المدينة الراهنة".

يطرح عيسى، في بداية عمله، ما يسميه بـ "ذاكرة الأزمة"؛ فيعود إلى أدبيات الفترة العربية الموازية لفجر الحداثة الأوروبية (القرن السادس عشر)، متسائلاً "هل أن الحداثة حين بدأت في الغرب، كنا نعيش وكأننا في كوكب آخر؟ أم أننا عشنا شيئاً منها في بلادنا؟".

بالاعتماد على التاريخ المقارن بين حالتي تونس والمغرب بالأساس، يرى عيسى أن مؤشرات كثيرة تقول بوجود حركة تحديث، وهو ما يمكن تبيّنه من خلال نظام الضرائب والجيش وعملية عقلنة الإدارة. لكنه، من جهة أخرى، يبيّن أن هذا التحديث لم ينعكس على المجتمعات، فبدراسته للنصوص المنجزة وقته، والتي يهيمن عليها أدب المناقب والخوارق، تظهر آليات التعتيم على الواقع.

هذا الاشتغال على تاريخ الذهنيات، يتيح، بحسب عيسى، النظر ليس فقط في ما حصل، وهو ما يدرسه التاريخ عادة، وإنما أيضاً النظر في ما كان يمكن أن يحصل. 


اقرأ أيضاً: أحمد الحمروني: استرجاع الهجرات الموريسكية