"بيروت مدينتي" في الانتخابات اللبنانية

"بيروت مدينتي" في الانتخابات اللبنانية

14 مايو 2016

من أجواء الانتخابات البلدية في بيروت (8مايو/2016/Getty)

+ الخط -
وجود حراك مدني متحضر، مثل تجربة لائحة "بيروت مدينتي" في الانتخابات البلدية في لبنان، أمر يبعث الأمل في النفوس، ويؤكد أن الشباب في لبنان، مهما كان انتماؤه، واحد في سعيه إلى التغيير، ولا يمانع لأجل ذلك في أن يحاول، ويسعى ويتطوع ويمول ويحشد ويحاور. ولا شك في أن المشهد السياسي الحزبي اللبناني، بتجاذباته الطائفية ومحاصصاته التي لا يسود فيها حق ولا باطل سوى كلمة المصالح الحزبية، بات مثيراً للاشمئزاز إلى أقصى الحدود، مع جمودٍ في الخطاب وفسادٍ على مستوى الطبقة المنتفعة والحاكمة.
لكن، في المقابل، أثبتت التجارب القريبة جداً، في مصر وسورية وتونس وغيرها، أن التغيير إذا كان يتطلب بالتأكيد حراكاً مدنياً، فإنه يتطلب أيضاً نوعاً من الوعي السياسي الضمني (tacit knowledge)، وهو أمر ينحصر في الأحزاب حالياً (وهذه إيجابية تحسب للبنان)، وهذا ما انعكس في الأمس من خلال ما شهدناه من توصيفٍ لحالات منع مندوبي " بيروت مدينتي" ومرشحيها من حضور الفرز، وهذا المنع في معظمه نتيجة عدم اطلاع أو وعي هؤلاء المتطوعين بقوانين الانتخابات؛ فالمندوبون الذين يحضرون الفرز يكونون موجودين طوال اليوم الانتخابي في القلم؛ وكذلك بالنسبة للفرز الرئيسي، حيث هناك آليات يعرفها بديهياً مندوبو اللوائح والأحزاب ويلتزمون بها. أما بالنسبة لمسألة نقل الصناديق بسيارات مدنيةٍ أو قطع الكهرباء، فهذه إشكاليات في الآلية قد تشير إلى تزوير، لكنها بالضرورة ليست تأكيداً؛ خصوصاً وأنه يوجد في كل قلم مندوبون كثيرون من مختلف اللوائح، ويسجلون، منذ الصباح، أعداد الناخبين وأرقام سجلاتهم وأسماءهم، كما ترد في لوائح الشطب، ثم يواكبون الفرز ورقةً ورقةً، حيث يتوجب على رئيس القلم إبراز كل ورقةٍ على حدة إلخ. وقد أفاد مندوبون من لوائح أخرى بأن لائحة "بيروت مدينتي" حققت أغلبية بارزة في عدد من الأقلام، وهذا يبعث على التفاؤل. ولست بصدد مناقشة هذه الإشكاليات، فكلها أمور ثانوية، إذا ما قورنت بحجم الأمل الكبير الذي عاد إلى نفوسنا.
ليست نسبة الاقتراع المتدنية مفاجئة، ولا طبيعة اللوائح التي ستفوز، فالجميع يدرك أن الشريحة الشبابية التي يمكنها الانتخاب في لبنان في معظمها تقيم خارجه. والشريحة الناخبة المقيمة في لبنان في معظمها من الجيل الأكبر ممن يتوقع أن يكون أحد اثنين، تابعاً لحزب أو مستقلاً محايداً عن كل ما له شأن بالسياسة، ومشككاً في طبيعة تجربة "بيروت مدينتي".
هذا الحراك المدني الجميل قادر على الاستمرار خارج الأطر السياسية، قادر على العمل على كثير من بنود أجندته، من دون أن يكون في المجالس البلدية، طالما أنه يتمتع بكادر متخصص متميز، وبدعم شبابي واسع من مختلف المناطق، وهو قادر على تغييرٍ كثير، مع مراعاة ثلاث نقاط أساسية:
الأولى، مخاطبة الأحزاب، وليس إقصاءها، لأن التجربة الحزبية في لبنان ليست سلبية
بالمطلق، بل هي تجربة مجتمعية غنية، ولها تاريخها وسياقها، ويمكن البناء عليها وتحسينها، خصوصاً وأن كثيرين ممن نعرف، مثلاً، هم ممن لهم "تاريخ حزبي"، بل وحاضر "حزبي إلى حدّ ما" (المستقبل، الجماعة الإسلامية، الاشتراكي، التيار الحر، الكتائب) أيدوا تجربة "بيروت مدينتي"، وهؤلاء هم بين بين. فإذا كانت ميزة الحراك المدني أنه يستثني الفوارق السياسية، فليكن هذا الاستثناء شموليةً لا إقصاء؛ لأن تخيير هؤلاء الأفراد بين الحراك المدني وانتمائهم الحزبي سيضعهم في تجربةٍ، تؤدي إما إلى نبذهم السياسي (وهذا ليس إيجابياً بالمطلق)، أو إلى نبذهم المدني (وهذا ليس إيجابياً أيضاً)، أما ضمهم فهو إثراء لتجربتي المدني والسياسي الحزبي. وإذا كان زعماء الأحزاب والطوائف اجتمعوا على طاولة حوارٍ لحفظ مصالحهم، فإن شباب الأحزاب و"الطوائف" قادرون على الاجتماع على منصة حراكٍ للحفاظ على مصالحهم وبناء مستقبل أفضل لهم. وبدلاً من استخدام شعار #كلن_يعني_كلن شعاراً يقصي جميع المتحزبين والأحزاب، بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة، ليكن شعار #كلن_يعني_كلن عنواناً عريضاً يجمع الشباب، وكل إنسان شريف يؤمن بالتغيير، مهما كان عمره، أو انتماؤه الحزبي.
ثانياً، توسيع الحراك مناطقياً، ليشمل مدناً وتجارب أخرى، خصوصاً أن مساحات الحراك المدني في المناطق أقل "تكلفة مادياً"، وأكثر تأثيراً، بسبب طبيعة النسيج الاجتماعي المتجانس نوعاً ما. ولعل طرابلس تحديداً إحدى المدن التي تحتاج مثل هذا الحراك وبشدة، خصوصاً وأن الشباب في طرابلس نشيط وواع، ويتطلع إلى تجربة مدنية سياسية جديدة مستقلة، تحب هذه المدينة العريقة، وتحرص عليها، وعلى كل جميل فيها. وطرابلس، من الناحية السياسية، ثقل لا يُستهان به، ووجود تجربة ناجحة في قرية واحدة سيكون رافعةً في أي انتخاباتٍ مستقبليةٍ، فكيف إذا وجدت تجربة ناجحة في مدينةٍ هي ثاني أكبر المدن اللبنانية.
ثالثاً، الوعي السياسي مطلوب، وبشدة، إلى جانب الوعي المدني، لأن العمل السياسي ميدان لا يغني فيه التخصص عن الخبرة والحرفة، وأحدث مثال استقالة داود أوغلو العملاق في التنظير الأكاديمي والسياسي لنهضة تركيا الحديثة، لأنه ببساطة لم يستطع مجاراة طبيعة العمل السياسي. وفي هذه النقطة، الوعي السياسي هو الأساس لوضع برنامج وآليات عمل قابلة للتطبيق، لأن وضع أهداف نظرية أمر أسهل بكثير من تنفيذها (مثلاً تنظيم أسعار الشقق والنقل الجماعي والمناطق الخضراء إلخ...)، خصوصاً أن عنق الزجاجة في الشؤون البلدية في بلدية بيروت للأسف هو حالياً المحافظ، وهو لا ينتخب، بل يتم تعيينه بالتكليف.
ختاماً، أضفت "بيروت مدينتي" لمسة نوعية على الانتخابات البلدية في لبنان، وبريقاً على الروح؛ وبدلاً من أن نغرق في دوامات مثل "بتستاهلوا تعيشوا بالزبالة، وبتستاهلوا تعيشوا بالفوضى، وأنتم شعب خواريف وأنتم الخ.." لنا الأيام المقبلة صفحة جديدة، نبني فيها على يوم أمس، فهؤلاء الـ "أنتم" أهلنا وجيراننا ومعارفنا، وهم حاضنتنا، وهم من تبقى في وطننا بعد هجرتنا نحن "الأسود". وهم المشتبثون في الوطن، لأنه أغلى ما يملكون، وهم الأكثر خوفاً عليه، وعلى مستقبلهم، لأنهم لا يملكون رفاهية "التنقل بين وطنين"، لكنهم لا يعرفون دعايات "فيسبوك"، وبعضهم قد لا يعرف القراءة والكتابة، وبعضهم لا يعرف معنى "حقي" أو "القانون ينص على ذلك"، لأن كل ما يحصل عليه من حقوق يأتيه عبر هذا الزعيم أو ذاك؛ وبعضهم لا يملك رفاهية البحث عن أخبار غير طائفيةٍ أو مشحونةٍ، لأنه ببساطة يدير التلفاز فيقدّس تلقائياً هذا الزعيم وينبذ ذاك. دعونا بدلاً من التجمع على كراهية الزعماء نتجمع على الحب، ونعتبر من التجربة المصرية، حيث اجتمعوا على كراهية النظام، وتفرقوا أمام حب الوطن. دعونا نتغذى على حب النقد لأنفسنا وتجربتنا، بدلاً من التغذي على لوم الناخبين الآخرين، والطبقة السياسية الحاكمة، فكلنا نعرف أن الحال لن ينصلح بين ليلة وضحاها.
إنه طريق طويل، لكنه يبدأ بخطوة... إنها تجربة سنين، لكنها تبدأ بيوم.
20B44B0B-5B5B-4924-AA51-38068E0DDC40
مريم عيتاني

كاتبة وباحثة ومترجمة لبنانية