"بوكا" جامعة "داعش" الأميركية

الدوحة
عثمان المختار
26 يناير 2015
+ الخط -

"ليته لم يُغلق حتى الآن، إنه مدرسة، بل جامعة، توصلك إلى الحقيقة المجردة واكتشاف نفاق العالم الغربي، لقد قضينا فيها أجمل أيام حياتنا رغم بؤسها، كانا عامين مكناني من اكتشاف نفسي، وخرجت وأنا أحفظ ثلث القرآن الكريم والعشرات من الأحاديث النبوية والمسائل الشرعية على يد شيوخ الجهاد الكبار هناك، كما أني اعتدت في هذا السجن على التعذيب الجسدي حتى أصبحت رجلا لا تنزل له دمعة"..
على وقع تلك العبارات التي يتلذذ بتكرارها في كل لقاء معه، يصف المعتقل رقم (11509) ياسر عبد الله، الملقب بأبو سمرة، أحوال وصفات أحد أبشع ثلاثة سجون أميركية في العالم، والذي يقع في مدينة الكرمة بمحافظة البصرة المطلة على الخليج العربي، وعلى بعد نحو 25 كم من الحدود الإيرانية، و55 كم من نظيرتها الكويتية.

من البعث إلى داعش
لا يمكن ذكر تاريخ قادة التنظيمات الجهادية المتطرفة في العراق، من دون الرجوع إلى معتقل بوكا، الذي يعد مرحلة مفصلية في تاريخ أغلبهم، فهو المدرسة التي خرّجت الآلاف من الجهاديين العراقيين الذين لمعت أسماؤهم مؤخرا، وتصدرت صورهم نشرات الأخبار، مثل إبراهيم عواد البدري أو أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وعدنان البيلاوي نائبه السابق، وأبو مسلم الخراساني المعروف بفاضل الحيالي، ومحمد العراقي أو محمد عبد العزيز الشمري وخالد السامرائي.

وكان أول نزلاء المعتقل، ضباط الجيش والمخابرات وجهاز الأمن الوطني وعناصر وموظفي منظومة التصنيع العسكري العراقي وموظفي منشأة تموز النووية وعلماء وخبراء عراقيين بارزين، إضافة إلى أعضاء حزب البعث العراقي، لكنه سرعان ما بدأ يستقبل عناصر المقاومة العراقية الوطنية الرافضين للاحتلال بالكلمة أو السلاح، ثم لم تمر أشهر معدودة حتى شهد دخول أول مجموعة من عناصر التيار الجهادي السلفي، لتبدأ حكاية افتتاح أول مدرسة جهادية في العراق، تحت حكم ورعاية الولايات المتحدة الأميركية، من دون أن تعلم بذلك.

واستوعب السجن في فترات مختلفة من تاريخه أكثر من 24 ألف سجين أدينوا بالإرهاب، وجميعهم من العراقيين السنة، جرى خلالها تعريضهم إلى عمليات تعذيب منهجية أدت إلى وفاة العديد منهم، أبرزهم والد القيادي الحالي في تنظيم الدولة الإسلامية الشيخ خالد السامرائي، والذي قتلت والدته أيضا على يد الأميركيين مع ابنته فاطمة في خريف عام 2006، في عملية دهم منزلهم بحثا عن شقيقه الذي ما زال مصيره مجهولا لغاية الساعة.

ووزع الأميركيون المعتقلين داخل السجن على شكل أقسام، وينسب إليها سبب ولادة مدرسة الفكر الجهادي داخل المعتقل، حيث وضع المقاوم صاحب الحسّ الوطني أو القومي العروبي مع المتطرف صاحب الفكر التكفيري، وساعد التعذيب والقسوة في التعامل على ترجيح كفة أصحاب الفكر المتطرف في السجن بطبيعة الحال.


وشهد السجن بعد فترة وجيزة، مقتل العشرات من المعتقلين على يد زملاء لهم بعد إدانتهم بالكفر أو الردة أو الخيانة، إذ تم إنشاء أول محكمة داخل السجن، وأطلقت فيها أحكام قاسية قد تكون تلك التي يصدرها تنظيم الدولة اليوم أقل قسوة منها بكثير، وما كان من الأميركيين وقتها إلا رفع الجثث من ساحة الشمس، وهي الساحة التي يجتمع فيها المعتقلون صباحا لتعريضهم إلى الشمس وتجنيبهم الإصابة بالأمراض الجلدية.

كما قتل خمسة معتقلين إثر أعمال شغب جرت عقب تمزيق مجندة أميركية المصحف أمام المعتقلين، وقام خلالها النزلاء بالهجوم على بوابات السجن.

نواة ما يجري في العراق
وحول ذلك يقول القيادي في التيار الصدري حسين البصري لـ"العربي الجديد": "معتقل بوكا نواة كل ما يجري في العراق، هو رمز الظلم والتعذيب والاضطهاد الأميركي". ويضيف: "ماذا تتوقع من شخص احتل غرباء بلده ثم سرقوه، ولما عارض ورفع صوته اعتقلوه ثم عذبوه، هل سيخرج ليجلس؟! بالتأكيد لا، سيتعاون مع أي أحد يعلمه طريقة ردّ كرامته واعتباره إليه، ووجدها مع السلفية الجهادية، وليتنا بقينا على السلفية الجهادية السابقة، فالطالب صار أفضل من أستاذه "في إشارة إلى تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية".

ويقول الخبير في شؤون الجماعات المسلحة في العراق، الدكتور أحمد الربيعي، لـ"العربي الجديد": إن "العشرات من قيادات داعش الحالية هم من خريجي مدرسة بوكا، وأبرزهم أبو بكر البغدادي ثم فاضل الحيالي معاونه ثم عدنان البيلاوي ثم خالد السامرائي ومحمد العراقي ومهند السويداوي وشاكر وهيب وحسن الدليمي وعبد العزيز الشمري وجمال الجبوري والشيخ مازن المجمعي".

ويضيف الربيعي: "الغريب أن عددا من تلك الأسماء كانت من أشد المعارضين لفكر القاعدة وأخواتها، بل كانوا من دعاة الوطنية والعروبة، لكنهم بعد إطلاق سراحهم من المعتقل كانوا شيوخ الفكر الجهادي والتكفيري في العراق".

ويعترف بذلك العقيد السابق في وزارة الداخلية العراقية حامد الساعدي، والذي عمل مع الأميركيين كعضو تنسيق شؤون المعتقل بين فبراير/شباط 2005 ولغاية سبتمبر/أيلول 2007، والذي أوضح خلال حديثه مع مراسل "العربي الجديد" في بغداد أن الأميركيين: "كانوا يعلمون أن المعتقلين الذين لديهم في بوكا سيخرجون لزرع العبوات الناسفة مجددا والانتقام من أي شيء وكل شيء في طريقهم، ولكن رغم ذلك أطلقوا سراحهم في الأسبوع الأخير الذي قرروا فيه مغادرة البلاد، رغم تحفظنا على ذلك، لكنهم أبلغونا أن المحكمة العسكرية أطلقت سراحهم، وما عليكم إلا أن تعيدوا اعتقالهم وتحاكموهم مرة أخرى وفقا للقضاء العراقي".
مضيفا: "مجاهدون وانتحاريون كانوا داخل ثلاجة أو علبة سردين وخرجوا، هكذا هو معتقل بوكا، وكثير منهم دخل وطنياً وخرج إسلامياً".

هدم "بوكا"
معتقل "بوكا" الذي تم هدمه اليوم من قبل حكومة البصرة المحلية، وطرحه للاستثمار أمام شركات محلية وعربية بهدف بناء 40 ألف وحدة سكنية منخفضة الكلفة، والغريب، وقد يكون المضحك، أن تلك المساكن لضحايا الهجمات الإرهابية.
وقد بُني السجن بأيدٍ بريطانية في الأيام الأولى لاحتلال العراق، فقد تقاسم

الجيشان البريطاني والأميركي مناطق النفوذ بينهما في البلاد، ليسيطر البريطانيون على جنوب العراق بالمشاركة مع الجيش الياباني في محافظة المثنى، والجيش الأسترالي الذي أقام على مشارف محافظة القادسية، في حين تولى الجيش الأميركي مناطق وسط وشمال وغرب العراق.

وظل المعتقل، الذي كان يعرف آنذاك بـ"مركز كامب فريدي"، لعدة أشهر قبل أن تتولى إدارته قوات البحرية الأميركية في ديسمبر/كانون الأول عام 2003، وتحوله إلى معتقل كبير يمتد لمساحة 40 كيلومتراً مربعاً، وتطلق عليه اسم بوكا، وهو اسم الجندي رونالد بوكا الذي لقي حتفه في هجمات 11 سبتمبر، خلال محاولته إنقاذ عالقين تحت أنقاض أحد البرجين المدمرين.

"من رماد هذا المعتقل الذي اتسع لعشرات الآلاف من المعتقلين العراقيين، وشهد ولادتهم الفكرية من جديد بفعل القهر والتعذيب، وُلدت داعش وستلد غيرها إن لم يتوقف الجلادون عن ممارسة هوايتهم في تعذيب الضحايا المعذبين أصلا بكونهم يقبعون تحت حكمهم".. هكذا يقول أبو سمرة.