"بنت من شاتيلا" لأكرم مسلّم

06 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
في رواية "بنت من شاتيلا"، الصادرة حديثا عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع (160ص) في عمّان، للكاتب الفلسطينيّ أكرم مسلّم، تقرأ جملا تزن ثقيلةً على الروح والذاكرة، تماما كما هو الذُباب الذي يحطّ على جثث قتلى المجازر. "الذبابة ثقيلة جدا. ذباب الجثث ثقيل جدا. لقد خَبِرتُ ذلك جيدا"، تقول الفتاة الناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982، والتي سيلتقيها الكاتبُ في مدينة هامبورغ الألمانية، عام 2004، وقد أتى للمشاركة في برنامج تبادلٍ أكاديميّ. هناك أيضا تفاصيل بسيطة جارحة، على الرغم من خفّتها وبساطتها، كما حين تصف الطفلة الجالسة قرب جثث أفراد عائلتها حركة المصوّر الذي حضر إلى المخيّم إثر المقتلة: "كنت جالسةً على عتبة البيت، العتبة عالية قليلا، الباب الخشبي السميك مفتوح. جثة أمي وجثث أخواتي وإخوتي ورائي في الفناء. اضطر المصوّر للرجوع إلى الخلف؛ إلى داخل الفناء المقابل لفناء بيتنا. أراد أخذ مسافة كافية لنظهر جميعا في الصورة، فالعتبة ملاصقة للطريق، وطرق المخيم ضيقة جدا". 
بمثل هذا، تمتلئ رواية أكرم مسلّم التي تخلع القلب في بعض مواضعها، مع أنها تأخذ مسافة كبيرة من موضوعها، إذ تدور أحداثها في بلد أوروبي بعيدا عن موقع الحادثة "الأصلية" (كما يقال الخطيئة الأصلية)، وبعد مرور اثنين وعشرين عاما، وعلى لسان فلسطينيّ من الداخل لم يشهد شيئا من وقائع المجزرة، إلا مشاهد قليلة بثّها التلفزيون، ورآها طفلا يسترق النظر من وراء ظهر والده الواقف مباشرة أمامه. "جاءته المجزرة إلى بيته على شكل صور على شاشة، وها هو جسدٌ قادم من المجزرة يفاجئه على شاطئ بحيرة، جسد بدا أوّلها كأنه فضيحة حياة، فصار فجأة إشارة موت"، فما يشرخ الذاكرة، للأسف، يشرُخها إلى غير رجعة، فكيف وهي ترى ما سبق أن طبَعَها كما يدمغ الحديدُ الساخن علامتَه فوق الأبدان الطرّية، متجسّدا أمامها على هيئة ضحيةٍ ناجيةٍ ترفض أداء دور الضحية، وخصوصا ذلك الأداء الإعلامي الذي فرضَ عليها أن تغفل ذكرَ أخيها الناجي مثلها، استدراراً لمزيد من التأسّي والعطف.
ولأنّ المجزرة تفرض زمنا طاغيا، دائم الحضور أبدا، راميا غلالته العملاقة على الما قبل والما بعد، فلا بدّ للنصّ أيضا أن يخضع له، مفكّكا أدواته السردية تفكّكَ بازل متعدّد القطع، يتوزّع بين أزمنةٍ وأمكنةٍ ونتف مَشاهد وبقايا شخصيات وقطع أحداث، يستدعيها الحدثُ وتتشكّل الكتابة تبعا لها، فها هي الشخصيات تحمل أسماء لا تمت إلى الواقع بصلة، بل ترتبط بواقعها الذاتيّ الخاص، أو برؤية الكاتب لها: فالراوي هو الرجل الأنيق، وابنة شاتيلا هي "حورية بحيرة إلسْتا" التي تسكن في غرفة تظهر على شرفتها عازفةُ كمانٍ تشبهها كثيرا، سيتّضح لاحقا أنها روح ناجية من مجازر اليهود في أوروبا، لأن الضحية هي نفسها في كل زمان ومكان. والحورية هي ابنة "الجمَل، الفدائي المختفي المتخفّي نظرا لنضاله السرّي، وهي ابنة "الخالة" (شقيقة والدتها القتيلة) التي قطفتها وأخاها عن شجرة اليتم والبؤس، والتي بعد انتظار، قرّرت خلع زوجها الفدائي والزواج من مهرّب صغير، ذلك أن للحياة حق ولو بعد مواتٍ صنعه اختفاءُ زوجها الطويل. هناك أيضا الرجل الدائري جار العجوز الألمانية التي ستنتهي جثةً متحلّلةً كريهة الرائحة، لن تُكتشف في شقتها إلا بعد حين.
ولأن للذاكرة قوانينها الخاصة، يبتكر النصُّ الروائي زمنا ممسرحًا، فللمأساة الإغريقية أبطالها وكورسها، ولها عرّافوها وراويها الذي يظهر بين الحين والحين، ليربط الأحداث في ما بينها، أو ليوقظ المشاهدين وينذرهم بأن الآتي عظيم. هكذا يتقدّم أكرم مسلّم خشبة نصّه التراجيدي، بين فصل وفصل، فيرمي إلى القراء نتف شخصياتٍ من التاريخ والتراث، ومشاهدَ وديكوراتٍ، يفصّلها بتلقائية حسبما تأتي إليه، فيما هو خائض في وحول مقتلة فظيعة واقعها مستعصٍ عصيّ، كأنما ليشعركَ أنه ترك ذاتَه إراديًا للنصّ يتحكّم به، أكثر مما أراد هو التحكّم به.
بعد الفراغ من قراءتها، سوف تبقى فصولٌ كثيرة من رواية "بنت من شاتيلا" بين يدي القارئ وفي عينيه. لذا، لا بأس إن وجدها بعضُهم، لجهة شكلها المستجدّ، على تحييرٍ وإرباك...