"بغداد في خيالي": ازدحام "ثيمات" وتشابك تواريخ

01 نوفمبر 2019
الصورة
سمير: بغداد في خياله (سمير/تويتر)
تؤشِّر مُشاهَدة "بغداد في خيالي" (2019)، الروائي الجديد للعراقي ــ السويسري سمير (المولود في بغداد عام 1955، والمعروف باسمه الأول فقط سمير، الذي يوقِّع أفلامه به)، إلى وجود فوارق في مستوى الاشتغال السينمائي بين مُنجزيه، الوثائقي والروائي. تشي أيضًا بأنّه، حين يكون لوحده، يصبح أقدر على عرض رؤيته كاملة على الشاشة. روائيًا، يبدو أن مزاحمة أطراف له فيما يريد قوله (الممثلون، ترتيب المشاهد وتنفيذها، الحوار، تفاصيل تقنية وإنتاجية)، تُلهي عن تفاصيل لم يغفل عنها في وثائقيّاته. هذا نابع، أساسًا، من اختلاف طبيعة السرد السينمائي ونوعه، ولهذا وحده حقّ اختيار الشكل الذي يريد، لتقديم رؤيته وأفكاره. 

الشعور بالفرق نابع أيضًا من حساسية المتلقي للمنجز السينمائي نفسه. يُلاحَظ هذا عبر مقاربة روائيّيه "إنسَ بغداد" (2002) و"بياض الثلج" (2005). أهمية الأول أنّه "أقنع" جمهوره ـ المعبّأة غالبيته بمواقف إسمنتية من اليهود العراقيين، المهاجرين الى إسرائيل تحديدًا ـ بإعادة النظر في موقفه إزاء أولئك المتمسّكين بجذورهم، مُحفّزًا فيهم الحاجة إلى قراءة مختلفة للآخر، الذي كان ذات يوم يعيش بينهم، وهو جزء من تكوينهم الثقافي والاجتماعي. أما "بياض الثلج"، السويسري الإنتاج، فبعيدٌ عن العالم القديم هذا، الذي يبدو، لشدة التصاق سمير به، كأنّه يتحدّث عن نفسه وعائلته فيه (لمدّة طويلة، ظنّ كثيرون أنّه يهودي الأصل).

أما البعد، فبروحه الأوروبية، وعادية معالجته، الأقرب إلى ميلودرامية مشوّقة. لكن، ما أشّر إليه مهمّ، إذْ توفّرت للسينمائيّ أدوات احترافية، ترتقي إلى مستوى الاشتغال التجاري الغربي.

يقترح "بغداد في خيالي"، المعروض للمرة الأولى دوليًا في الدورة الـ73 (5 ـ 15 أغسطس/ آب 2019) لـ"مهرجان لوكارنو السينمائي"، مقاربةً مع "الأوديسا العراقية" (2014)، الوثائقي الملحمة. الفاصل الزمني بينهما ليس كبيرا، فكلاهما يُقارب الموضوع العراقي، وعبرهما يستكمل سمير قراءته جوانب من التاريخ السياسي المعاصر لوطنه الأصلي. تُشغله فيهما فكرة المدينية وتحوّلات المدن. وإذ يبقى ظِلُّ بغداد، في الروائي، في أرواح من تركها، ملازما صراعاتهم السياسية ومواقفهم الاجتماعية، فإنّ تحوّلات المدن العراقية كلّها موضع معاينة دقيقة في "الأوديسا العراقية"، يندر وجود شبيه لها في الوثائقيات التحليلية العربية.



مَسْحُه مرحلة زمنية طويلة، وتنقّله بين الذاتيّ (أفراد كُثر من عائلته) والعام، يُتيحان له عرض عينات بشرية، ينتمي معظمها إلى الطبقة المتوسطة، التي (معظمها) ينحاز إلى أفكار تنويرية. التدخّل الشخصي في مساره متاحٌ له (تعليق وصُورٌ فوتوغرافية)، بوصفه جزءا من مشهد يهتمَّ هو بكتابته بصريا، عاملا على تشخيص تحوّلات المدينة العراقية وأهلها. فيه، يُقارب أسباب "موت" الطبقة المتوسطة، وتخريب"البعث" روح مدن العراق بحروبه العبثية، وتشويهه المتعمَّد لها. يعرض رؤيته احتضار بلد. يُسجّل واقعا معاشا، بينما لا تزال نُدب العسف والقهر ظاهرة فيه.

في الفيلمين، بغداد ساحة حيوية، تشهد هذا الخراب كلّه. الحنين إليها غير منقطع، والصلة بما يجري فيها غير منقطعة أيضا، بالنسبة إلى الذين هجروها إلى لندن، المدينة الأوروبية المُرَحلة إليها صراعاتهم وخلافاتهم، وهذا جزء أساسي من مسار حكاية "بغداد في خيالي".

يُراد للفيلم مجاورة الصراعات السياسية العراقية في الداخل والخارج، بمواضيع أخرى شديدة الارتباط بها. طموح السيناريو (كتابة سمير وفرات الجميل) كامن في معاينة محرّمات، كالمثلية والجنس خارج العلاقة الزوجية، بالإضافة إلى تعقيدات أخرى، كبروز التيارات الدينية في المشهد العراقي بعد الاحتلال الأميركي، وتحالف بعض قواها السياسية الجديدة مع بقايا حزب البعث. جزع اليسار من الأفكار اللاهوتية، وعلاقة هذا كلّه ببغداد المدينة، التي في ذاكرة اللاجئين السياسيين، حاضرة كلّها رغم طول فراق. هذه الثيمات أراد السيناريو جمعها معا، لكن، لوضعها في مسار سردي متماسك، يتطلّب توفّر عناصر تقنية وإنتاجية كثيرة.

يفرض تَنَقّل زمن الحكاية بين بغداد ولندن تحرّكا دراميا موازيا بين زمنين ومكانين. لنقلها إلى الشاشة، يتوجّب توفر مهارات فنية قادرة على التوازن بينها، بغض النظر عن المساحة الممنوحة لكلّ واحد منها. لتحقيق هذا، كان لا بُدّ من الجمع بين اللغتين العربية والإنكليزية، ومن إشراك ممثلين من الجانبين، ومن التصوير في أكثر من موقع، وفي بيئات مختلفة. المال الإنتاجي لتحقيق ذلك متوفّر، وهذا واضح. لكن المشكلة المتوقّعة، حتى قبل بدء التصوير، تتمثّل في تأمين الممثل العراقي، إذْ لم يظهر في البلد، لأعوام مديدة، ممثلون سينمائيون جيّدون، باستثناء قلّة.

في المسار، تظهر عوائق، وتشي قلة المتروك لبغداد من مساحة بوجود معوقات يعرفها مجرّبو العمل في العراق. ظروف العمل هناك صعبة للغاية، يشتكي الجميع منها. أما المحصلة، فمشاهد قصيرة (فلاش باك) مترابطة توليفا مع بقية الحكاية، التي تجري كلّها تقريبا في لندن. تشعّبات قصصها تُخبر عن لاجئين تركوا العراق، لكنّهم يواجهون، رغم البعد، صراعا مع القوى القديمة، والأفكار الدينية المتشدّدة، الظاهرة على السطح بقوّة في العقود الأخيرة.

المكان هناك يفرض شروطه على الممثلين، فيظهر التباين في الأداء، ويتبيّن ارتخاء السيطرة على الحوارات. الاشتغال والعناية بأداء زهراء غندور (أمل) مثمر. تطوّرها كممثلة في تصاعد لافت للانتباه. شجاعتها في تأدية مَشاهد عاطفية وجنسية يشير إلى فهم ورغبة في تجاوزِ محافَظَةٍ تُعيق الفعل السينمائي، تُقابلها عند البقية مسايرة عاديات تمثيل مسرحي وتلفزيوني. الحوار، كالزمن السينمائي، شديد الحساسية. ثوان زائدة في المشهد الواحد تبدو دهرا عند متلقّيها. ضعف مراقبة الحوارات يُضعف صدقيتها، ويُشعّ خِفّة حين يغرق المشهد في جمل وعبارات مكرّرة وزائدة. هذا موجودٌ إلى جوار اشتغال جيد على التصوير (نغو تي تشاو) والصوت (باتريك سترك). ترتيب المشهد وتأثيثه يجيد سمير العمل عليهما، كما يجيد كتابة التاريخ. فهمه حركة المجتمع العراقي محيّر. فرغم ابتعاده عن البلد زمنا طويلا، إلا أنّ قدرته على إمساك أكثر الخيوط تأثيرا في حركته مُدهشة.

يظهر هذا جليا في "الأوديسا العراقية"، وفي الروائي الأخير له، الذي يجمع فيه مراحل عديدة من التاريخ المعاصر للعراق، ويربط بين أشدّها دراماتيكية، عبر شخصيات تمثّل كلّ واحدة منها مُكوّنا سياسيا أو عرقيا، وبعضها يحتمل التعددية.

اختياره مقهى متخيّلا، اسمه "أبو نؤاس"، يجتمع فيه الهاربون من القمع، يسمح بعرض مواقف وأفكار وصراعات كثيرة. ضيق المكان يسمح بمسرحة الأحداث، ويقلِّص الحاجة إلى مزيدٍ من التصوير الخارجي، ويقلّل أيضا الاعتماد على حركة الممثلين. هذا اشتغالٌ اجتهد فيه المصري يوسف شاهين، وسمير يعاود تكراره. ففي مُنجز العراقيّ، هناك شبح المكان الأول، تغدو فيه بغداد خيالا. جمالها وخرابها وكلّ ما فيها من وجع، يُداوم مُحبّوها على حمله معهم أينما يحلّون.