"بغداد": مدينة أدمنت الإسمنت

21 سبتمبر 2016
الصورة
لقطة من الشريط
+ الخط -

لا شيء يصلنا من العراق منذ سنوات أكثر من مشاهد العنف والرعب. تقريباً ينعكس هذا الواقع في كل التعبيرات، في الرواية والفنون التشكيلية، فما بالنا بشكلٍ فنيٍّ كاشف مثل الفيلم الوثائقي. في عمل بعنوان "بغداد: يوميات مدينة مسوّرة" (2016، 54 دقيقة)، يقدّم المخرجان الفرنسيان، لوكا مينجيه ولوران فان دير شتوك، انعكاس هذا الواقع على جدران بغداد.

ينطلق الفيلم من عبارة تقول "اللون الرمادي للإسمنت هو لون بغداد". تعميمٌ سيحاول العمل تبريره، إذ سنرى طوال الفيلم أحياء بأكملها تحتمي بالإسمنت كآخر ورقة يلعبها ساكنوها في سبيل توفير الطمأنينة لأنفسهم. ويختتم الفيلم بإشارة أخرى تقول "إن سكان بغداد يسمّون مدينتهم من قديم الزمان بـ (مدينة السلام)". مفارقة حادة يقولها قارئ النص بصوت بارد.

تنتقل الكاميرا من جدران بغدادية كثيرة، معظمها تحمل آثار التخريب جراء الرصاص أو عمليات الهدم المتعمدة، كما تحفل بالكتابات والتي تتضمّن في نفس الوقت شعارات طائفية، أو دعوات التشدّد، أو إرادة التفاؤل والوحدة، وبعضها تسأل عن هوية العراقي اليوم، وأخرى تناجي الخالق لإنقاذ البلاد.

لا يقف الفيلم عند الحديث عن هذه الجدران فحسب، بل إنه يحدّثنا أيضاً عن مشروع جدار كبير بدأت الحكومة العراقية في تنفيذه لحماية بغداد من مصير الموصل بعد الهجمة الداعشية عليها. هكذا تتسع فكرة الفيلم لتصبح محاولة لرصد انعكاس الرعب في المكان، فهذه الجدران ليست فقط حاجةً أمنيّة عَمَليةً، بل هي أيضاً تعبيرٌ عن دخول منطق التفرقة الطائفية إلى مرحلة التجسيم.

سنحسّ بهذه التفرقة أيضاً والفيلم ينتقل من شهادة إلى أخرى. فعلى إيقاع الحياة اليومية بأحداثها السياسية والاجتماعية، نرى نماذج بشرية في مدينة يبدو ساكنوها وكأنهم في صدمة جماعية، يحدّثوننا عن الخوف المسيطر أو يعقدون مقارنات بين بغداد عقود خالية وبغداد اليوم، أو يحمّلون طرفاً بعينه مسؤولية ما يجري، ومنها تتفرّع الحكايات لتتطرّق إلى الفساد وارتباطاته بالفوضى التي تحدث.

تقفز بنا هذه الشهادات بين مواقع مختلفة ننظر من خلالها إلى بغداد؛ من موقع المواطن البسيط الذي يتحدّث عن تأمين الرحلة اليومية لأطفاله وهم ذاهبون إلى المدرسة، أو ذلك الذي يحضر بشكل يومي في جنازات أقربائه وأصدقائه، وصولاً إلى لقاء مع رئيس الجمهورية العراقية الحالي، فؤاد معصوم، مروراً بزعماء طوائف وممثلي دول أجنبية وأعيان وموظفي التجهيز (المسؤولين عن بناء الجدران بين الأحياء).

يرصد المخرجان جزءاً آخر من واقع المدينة؛ ذلك الذي يجري في الإعلام وفي فيديوهات تتناقلها الفيسبوك، وللمفارقة فإن صفحات الفيسبوك تسمّى هي الأخرى حيطاناً. هنا، يتحسّس العمل أدوات فبركة الرعب، حيث صنعت هذه الأشرطة شبحاً في بغداد اسمه الموصل.

هكذا يصبح المتفرّج متهيّأ لاستقبال صورة عامة عن بغداد: مدينة الرعب ومدينة التفتيشات، حيث تحوّل الهاجس الأمني فيها إلى أيديولوجيا معمّمة في سياسات الدولة وفي سلوكيات الناس. طبعاً لم ينس المُخرجان أن يلتفتا إلى تطبيق هذه الأيديولوجيا على الأرض، حيث يخصّص الفيلم حيّزاً زمنياً لفحص معادلة الأمن بين حماية المواطنين والتضييق عليهم.

في نهاية الفيلم، تدخل بنا الكاميرا - مصحوبة بكولونيل عراقي - إلى غرفة العمليات التي تصدر منها كل القرارات الأمنية. سنجد هناك ضابطاً أميركياً يرحّب بطاقم التصوير، لكننا نتساءل قبل ذلك عن قدرة صنّاع هذه الأفلام الوثائقية على الدخول إلى أي مكان في نفس العراق، الذي يتحدّث الفيلم عن سطوة التقسيمات والتضييقات فيه على عبور مواطنيه من مكان إلى آخر؟

إنها قدرات الفيلم الوثائقي (الغربي) الخارقة التي تأتي لأية فكرة بكل ما تحتاجه من صور وشهادات من أجل صناعة الرأي العام.

المساهمون