"بضاعة إبليس" تغري الموريتانيّين

"بضاعة إبليس" تغري الموريتانيّين

03 فبراير 2015
الصورة
تجد الكرظة أكبر انتشار في صفوف النساء (العربي الجديد)
+ الخط -

بات للنميمة، أو ما يطلق عليه "بضاعة إبليس"، مكان مميز في المجتمع الموريتاني. وبالرغم من معرفة الموريتانيين بما تؤدي إليه من نشر للعداوة والكره بينهم، لا يتورع الكثيرون عن اغتياب الآخرين المسمى عندهم كرظة، حتى وصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

يساعد على انتشار النميمة في موريتانيا إقبال الناس على المجالس الاجتماعية. ويجد الموريتانيون فيها وسيلة للتسلية وإضفاء نوع من التشويق والتجديد على مجالسهم، حيث يتم تداول الشائعات وأحوال الناس من أجل التعارف والتسلية وإمضاء الوقت.

وقد غذّت الصراعات والخلافات مجالس الغيبة في موريتانيا، ونقلتها من نميمة شفهية وعفوية تتم في المقاهي أو الجلسات الخاصة في المنازل، إلى نميمة قاتلة تستغل وسائل الاتصال الحديثة للتشهير بالناس ونشر أسرارهم والإشاعات الكاذبة عنهم.

وتجد الكرظة أكبر انتشار لها بين الموريتانيين في صفوف النساء لأنهن أكثر ارتباطا بالمجالس من الرجال، وأكثر إقبالاً على التفاصيل والأسرار وبحثاً عنها. وتساهم الكرظة النسائية بشكل من الأشكال، في تأجيج المعارك والسجالات بين العائلات. كما أنّ لها آثارها الكبيرة في نهش جسد العلاقات الأسرية وهدم النسيج الاجتماعي.

أساليب جديدة

منذ وصول تقنيات الاتصال الحديثة عبر الكومبيوتر والهاتف إلى موريتانيا، باتت هذه التقنيات مسرحاً لتناقل أخبار النمامين وثرثراتهم التي لا تنتهي. ومع ما يبث من أخبار اجتماعية وسياسية، سادت في المجتمع الموريتاني حالة من القلق والخوف بشأن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للنميمة واقتحام الخصوصية ومراقبة الناس واستخراج البيانات والصور الشخصية.

ويقول الباحث الاجتماعي سيد أحمد ولد الناجي: "النميمة خلق غير محمود وعادة مرضية تسبب المشكلات الزوجية وتقطع الأرحام وتغذي الخلافات بين الناس". يضيف: "تطورت النميمة بسبب مواقع التواصل التي استغلها البعض لابتكار أساليب عديدة لنشرها وإقناع الآخرين".

ويشير إلى أنّ النمّامين "يعتمدون من أجل إقناع الناس بما ينشرون على المزج بين الأحداث والقصص، ويعيدون نسخ الكثير من الأحداث والوقائع السابقة، أو يخترعون وقائع غريبة لا تخلو من الإساءة والتشهير والتحقير".

ويؤكد ولد الناجي أنّ "الغيبة تسببت في وقوع عدد من الجرائم في المجتمع الموريتاني بدافع الانتقام من مروجي الإشاعات والأخبار الكاذبة والفضائح في مجالس النميمة أو تأثرا بما قيل في المجالس. وهو ما يؤدي إلى تضرر أواصر عائلية وتعطل مصالح".

وعن أسباب استفحال النميمة في موريتانيا، يقول الباحث: "الفراغ وثقافة المجالس الاجتماعية والهوس بكشف الأسرار والغيرة والكراهية أسباب رئيسية لانتشار النميمة بكثرة. كما أنّ التوظيف المحموم للتكنولوجيا واستغلالها في نشر النميمة على نطاق واسع، يضاعف من خطورتها".

ويدعو الباحث إلى الإقلاع عن "هذه العادة المدمرة والمحبطة، وقول الصدق وتحري الحقيقة في ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. وكذلك الرد على النميمة والإشاعة بالتحليل وتبيان وجهة النظر المغايرة من دون عنف، والترفع عن اللغو والغوغائية وإثارة الزوابع الوهمية والمناوشات الكلامية".

نميمة إلكترونية

لا تقتصر النميمة على عمر معين، بل تمتد من الكبار في السن إلى فئة الشباب. وقد ظهرت موضة جديدة بينهم تتسبب في تنامي الشعور بالغضب والقلق من مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في نشر النميمة. يأتي ذلك من إدمان بعض الشبان التربص بالناس لتصويرهم في الأسواق والنزهات ومواقف السيارات وغيرها، ونشر صورهم على مواقع التواصل بشكل يظهر شخصياتهم وهوياتهم أمام الآخرين. وهو ما يتسبب بتنامي رهاب "النميمة العصرية" بين الموريتانيين الذين لطالما حرصوا على الحفاظ على خصوصياتهم، ومواجهة المتطفلين عليهم والراغبين في كشف أسرارهم ونشرها.

وتقول العالية بنت ختاري (36 عاما، معلمة) إنّ "التوجس والتوتر يشغلان الموريتانيين بعد ظهور صور شخصية للكثير منهم على صفحات فيسبوك وتويتر، وكذلك الحملات المغرضة التي يقودها البعض ضدهم". وتضيف: "انتشر هذا الأمر بعد ان أصبحت أدوات التقنية الحديثة وإمكانياتها متوافرة لدى العامة، بخاصة بين الصغار والمراهقين".

وتتابع: "البعض يستغل مواقع التواصل الاجتماعي لتشويه سمعة الآخرين، والتسبب بالمشاكل لهم ونشر صور خاصة بحفلات الأعراس والحياة الشخصية للعائلات. ويستفيد أصحاب النوايا السيئة مما تقدمه التكنولوجيا والوسائط الجديدة غير المراقبة، للتأثير بقوة على المتلقي وإقناعه بما ينشر.. فأصبح استقاء المعلومات والأخبار عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، أكثر انتشاراً في موريتانيا من الوسائل التقليدية".