"برلين ألكسندربلاتز" مُجدّداً: حتميّة المأساة

05 اغسطس 2020
الصورة
"برلين ألكسندربلاتز": ملحمة دمويّة وعصريّة (الموقع الإلكتروني للبرليناله)

أخيراً، بدأت صالات سينمائية ألمانيّة تتعافى من حالة إغلاقٍ استمرّت نحو 4 أشهر بسبب كورونا. المفارقة أنّ إغلاق الصالات تزامن مع انتهاء الدورة الـ70 (20 فبراير/ شباط ـ 1 مارس/ آذار 2020) لـ"مهرجان برلين السينمائي الدولي"، الذي بات آخر احتفال سينمائيّ عالميّ متفلّت من الوباء.

منذ أيام عدّة، بدأت العروض التجاريّة لـ"برلين ألكسندربلاتز"، التجربة الروائية الثالثة للألماني برهان قرباني (1980). الترويج للفيلم (183 دقيقة) منطلقٌ بفضل مشاركته في المسابقة الرسميّة للمهرجان: "اقتباسٌ حرّ وعصريّ" للرواية ـ الأيقونة المشهورة "برلين ألكسندربلاتز" (1929) لأدولف دوبلن (1878 ـ 1957)، التي تُعتبر أحد أهم الإنتاجات الأدبيّة في فترة "جمهوريّة فايمر"، تلك المرحلة الزمنيّة القصيرة من عمر ألمانيا بعد الحرب العالميّة الأولى، وقبل صعود النازيّة. فترة شهدت ظهور حركات فنية طلائعيّة في السينما والفنون البصريّة والأدب. تحويل رواية غير خطيّة سردياً ـ تحتوي على أساليب مونتاج متأثّرة بفنّ السينما الحديث آنذاك ـ مهمّة محفِّزة بصرياً، خصوصاً أنّها نُقلت إلى الشاشة في عملين يحملان العنوان الأصليّ للرواية: فيلمٌ روائي طويل (1931) للألماني بيال يوتزي (1896 ـ 1946)، ومسلسل تلفزيوني ألماني في 15 ساعة ونصف الساعة للألماني راينر فيرنر فاسبندر (1945 ـ 1982).

لكنّ قرباني ابتعد عن عالم دوبلن وبطله الألماني فرانز بيبركوبف، الذي يُخلَى سبيله في نهاية عشرينيات القرن الماضي، بعد سجنه بسبب قتله صديقته إيدا، محاولاً استكمال حياته بنزاهةٍ، من دون جدوى، وسط إرهاصات صعود النازيّة في برلين. حوّل المخرج الأفغاني الأصل الرواية إلى ملحمة عصريّة دمويّة في برلين الحاليّة، مؤلّفاً إياها من 5 فصول ومقدّمة، تظهر في نهاية الفيلم وتتقاطع مع أول مشهد من مسلسل فاسبندر. كما حوّل البطلَ فرانسيس/ فرانز إلى لاجئ أفريقي من "جمهورية بيساو" (أدّى الدور فلكِت بونغي، لاجئ أفريقي أيضاً).

 

 

يريد فرانز "أنْ يكون رجلاً صالحاً"، كما يُردِّد صوتٌ مرافقٌ للفيلم مرّات عدّة. لكنْ، يبدو ذلك مهمّة صعبة، عندما يكون المرء أسود البشرة، من دون أوراق رسميّة، ولا ينطق الألمانية. حين يدخل إلى حياته مُشغّله في تجارة المخدّرات، رينهولد (ألبريشت شوخ، في أداء استثنائي)، وهو رجل ألماني أبيض على حافّة الاختلال النفسي، لا تبقى لديه إمكانيّات كثيرة، فينجرف إلى عالم المخدّرات والسطو المسلّح، رغم رفضه هذا في البداية.

لا تبدو الحروب في قاع الحياة السفلى في برلين أكثر جاذبيّة من عالم قرباني على الشاشة: بيوت دعارة 5 نجوم تتطاير فيها اليوروهات، وملاهٍ ليلية كرنفاليّة، وطيف تتداخل فيه أشكال الهويّات الجنسيّة، ويشار إليه من بعيد (هناك خطّ دراميّ لم يطوّره قرباني كثيراً، لانجذاب رينهولد لفرانز)، وشوارع خالية ليلاً، يرتدي فيها رجال المافيا أقنعة أرانب مضيئة. المدينة، التي يحمل الفيلم اسمها، شبه غائبة تقريباً، باستثناء مطاردات تجّار مخدّرات أفريقيين في "بارك هازينهايد" سيئ السمعة، كأنّها تقلّصت إلى داخل المساحات المغلقة في عالم رأسمالي أبيض، يتدفّق في كلّ ما هو هذيانيّ وغير أخلاقيّ.

الرواية الأصلية غير خطيّة سردياً، والفيلم اعتمد على مونتاج متقطّع بين الأزمنة، ليكتمل الضلع الثالث لأبطاله مع ظهور ميتزي (ييلا هازي)، العاهرة التي تعتني بفرانز بعد حادث مفصليّ يتعرّض له، فتكون قارب نجاة يحاول انتشاله من قاعه. يتشكّل المثلّث الدرامي (فرانز ـ ميتزي ـ رينهولد) في حبكة لا تخلو من نفحة قياميّة تعصف بهشاشة الهويّات المستضعفة، كالنساء والسود، ليتحكّم الرجل الألماني العنصري المختلّ بقوانين اللعبة، مجاهراً بعنصريّته في حفلة تنكريّة، تُجسّد ما هو عليه حال ألمانيا في هذه الأوساط: رينهولد في زيّ صيّاد مستعَمِر، يقتني لفرانز زيّاً تنكّرياً على شكل غوريلا، وفي الوقت نفسه يحاول النيل من حبيبة فرانز في حبكة شكسبيرية، يُتوقّع أنْ تتصاعد إلى نهاية مأسوية.

رغم الشاعرية الكبيرة التي يتّسم بها "برلين ألكسندربلاتز"ـ كتابةً وتصويراً وتوليفاً لمقاطع آسرة لمونولوغات يرويها صوت ميتزي على امتداد الفيلم، ولأخرى يقولها فرانز لنفسه صحبة موسيقى لافتة للروسيّة داشا داونهاور ـ هناك إخفاق على مستوى البناء السرديّ لبعض الشخصيّات، وأبرزها الشخصيّة الرئيسية فرانز، إذْ لا تُفهم أحياناً دوافعه وتحوّلاته المفاجئة وسذاجته غير المتناسبة مع ما مرّ به من تجارب أليمة، كأنّه أتى ليسدّ خانة اللاجئ الأفريقي بطلاً للفيلم. اللافت للانتباه أيضاً أنّ غالبية الشخصيّات النسائيّة عاهرات، إنْ يكنّ ألمانيات أو أفريقيّات، في إشارة إلى سطوة واضحة للرجال.

"برلين ألكسندربلاتز" ليس فيلم مدينة عينيّاً. يُمكن للسيناريو أن يحصل في أي عاصمة أوروبيّة، فبرلين لم تضف كثيراً على مجريات القصّة. كأنّ قرباني يقول: لا مفرّ من حتميّة المأساة للمستضعفين في متروبوليس ما بعد حداثيّ غربيّ، يتآلف فيه رأس المال مع الذكوريّة البيضاء، ولا يتركان مجالًا لمن هم على الهامش، إلّا ليكونوا ملوّثين، وإنْ أرادوا أنْ يكونوا صالحين، كما أراد فرانز ذات مرّة.