"بدون قيد": حكايات سورية تسعى للتحرر

29 ديسمبر 2017
الصورة
تؤدّي عبير الحريري شخصيَّة "ريم" في المسلسل (فيسبوك)
لاتزال الدراما السورية تبتكر أساليبها الخاصة لحل أزمة العرض والتسويق التي تمر بها، بعد أن أغلقت معظم القنوات العربية الباب في وجه الدراما السورية. وفي ظل تحكّم النظام السوري في القنوات السورية وبرامجها، وتفضيله كل ما هو مسيّس ومؤدلج على حساب الأعمال الدرامية والفنية، وجد السوريون أنفسهم مجبرين على ابتكار أساليب تضمن لهم الاستمرارية.

فلجأ فريقٌ منهم إلى شبكة الإنترنت ليعرضوا نتاجهم على قنواتها البديلة التي أنشؤوها على الشبكة السبرانية. وبدا موقع "يوتيوب"، لوهلة، مجرد مساحة بديلة، تستخدمها شركات الإنتاج السورية لتعرض عليها المسلسلات التي تنتجها، سواء تمكنت من عرضها على الفضائيات المحلية أو العربية، أو حتى لم تتمكن من عرضها. وعرضت على "يوتيوب"، في السنة الأخيرة، بعض الأعمال التي لم تتمكن من الترويج لنفسها على التلفزيونات التقليدية. ولا تختلف في بنيتها وشكلها عن أعمال الدراما السورية التي تتبناها الفضائيات السورية والعربية.

ولكن حاول البعض أن يفكروا خارج الصندوق، وأن ينتجوا أعمالاً تناسب بنيتها قنوات الاتصال المستخدمة.

ومن أهم هذه التجارب، تجربة مسلسل "بدون قيد" الذي سوِّق له باعتباره أول مسلسل رقمي ترفيهي يسمح للمشاهد بأن يختار بنفسه طريقة المشاهدة التي تناسبه.

تدورُ أحداث "بدون قيد" حول ثلاث شخصيات رئيسية، وهي: شخصية "وفيق" الذي يؤدي دوره مؤلف العمل رافي وهبي، وشخصية "ريم" التي تؤديها عبير الحريري، وشخصية "كريم" التي يؤديها ينال منصور. ويعيش كل من هؤلاء الشخصيات حكاية منفصلة، موزعة على 9 حلقات، تسبقها بداية مشتركة وتتلوها نهاية مشتركة؛ ويستطيع المشاهد أن يختار متابعة المسلسل بالترتيب الذي يحلو له. ومن الممكن أن نتحدث عن أبرز إيجابيات وسلبيات هذه التجربة من خلال مناقشة النقاط التالية.

الحبكة والعلاقة بين الحكايات الثلاث

تقوم الحبكة الرئيسية على الجمع بين ثلاث قصص منفصلة، تنتمي للماضي، وتعرض على طريقة "فلاش باك" بعد اللقاء بين أبطال الحكايات الثلاث في الحلقة الأولى. وتمتاز كل حكاية من الحكايات الثلاث بحبكة تقليدية متماسكة، لها بداية وحدث رئيسي ونهاية.

وتعالج كل حكاية على حدة قضية واحدة، فإحداها تتطرق إلى قضية الانتماء، والثانية تتطرق إلى قضية الهوية، والثالثة تتطرق إلى قضية المبادئ وثمنها الباهظ.

وتنتج عن جمع الحكايات الثلاث حبكة غير تقليدية متشظية، ويساعد عرضها بالتوالي على إدراك معنى الانتماء بعد فقدان الأرض والهوية. ولكن، ورغم الارتباط الفكري بين الحكايات الثلاث، يبدو الربط بينها ضعيفاً للغاية، من حيث البنية الدرامية؛ فالحبكة قائمة بأساسها على مشهد محطة الوقود، الكائنة في إحدى المناطق الحدودية بين سورية ولبنان، والمشهد الأساسي هذا يُفتعَل من دون تبرير، وينتهي بدون تفسير.

فمحاولة إيجاد الروابط بين الشخصيات الثلاث تبدو أمراً لا طائل منه؛ فلا بوادر الانجذاب بين ريم وكريم تنفع لأن تؤسس لرابط بين الحكايات، ولا اللقاءات المقتضبة التي تتم في أروقة أفرع التحقيق تكفي لإنشاء علاقات بين الشخصيات أو بين الحكايات. فيبقى الرابط الوحيد بين الحكايات الثلاث هو الانتماء والهوية.

هل من الممكن أن نتابع كل حلقة على حدة؟

يحافظ المسلسل ببنيته على شكل المسلسل السوري التقليدي في بعض الأمور، ومنها عدد الحلقات، حيث يصل العدد الإجمالي للحلقات إلى 29 حلقة، وذلك يتناسب مع عدد الحلقات في العرف السوري، الذي يحدد عدد حلقات المسلسل بما يقارب 30 حلقة.

ولكن يخالف "بدون قيد" المسلسلات التلفزيونية التقليدية في نواح أخرى، ومنها شكل الحلقة ومدتها؛ فمدة الحلقة تقارب الثلاث دقائق فقط، وتحاول كل حلقة أن تبنى على حدث واحد لشخصية محورية، وهو أمر يتناقض مع بنية الدراما السورية التي تمتاز بتشعّب الحكاية، وسير الخطوط الدرامية فيها بتوازٍ نحو النهاية.

ولكن هل يستطيع المشاهد أن يتابع مسلسل "بدون قيد" على طريقة الحلقات التي يفترضها القائمون على العمل؟ وهل تكفي أحداثه الدرامية البسيطة لأن تجذب الجمهور للعودة إلى حلقة أخرى بعد زمن؟ إن الزمن الإجمالي للعمل لا يتجاوز الـ90 دقيقة.

وإذا جمع المسلسل، فإنه لا يتعدى، من حيث الزمن، زمن فيلم واحد. وفي الغالب سيتابع الجمهور العمل في جلسة واحدة، مما يخلع عن العمل الشكل الفني الذي ارتداه. فالجمهور لن يتمكن من متابعة العمل على مدار 29 يوما بكل تأكيد، ولن تتمكن الأحداث المتسلسلة من خلق التشويق لجذب المشاهد للمواظبة على متابعة العرض على مراحل متقطعة.

تبديل مواقع الأحداث

تبقى الفائدة الوحيدة من تقطيع العمل إلى وحدات صغيرة هي إعطاء المشاهد الحرية لترتيب الأحداث التي يجهلها بالطريقة التي تحلو له؛ وهو الأمر الذي تسبَّب في نجاح المسلسل على المستوى الترويجي، وشكّل عامل جذب لعدد كبير من الناس لمتابعة المسلسل الذي يفتقد لنجوم الصف الأول، ويتيح الفرصة للمواهب الشابة لشغل أدوار البطولة.

ولكن هل سيختلف المسلسل إن بدأنا بمتابعة حكاية كريم قبل حكاية وفيق وريم؟ وهل سيؤثر تبديل الترتيب على إضافة شيء يُذكر على مستوى التشويق أو المعنى؟ أظن أن الترتيب لن يغير من المعنى أو يحدث فارقا حقيقيا على المستوى الدرامي، فالحكايات منفصلة، حتى على مستوى الوحدات والأفكار، والتقاطعات بينها دخيلة، ساهمت في التأسيس لشكل فني جديد، من الممكن أن نعتبره ثورة في عالم الدراما السوري من حيث الشكل، ولكن يجب أن يقترن الشكل الجديد المبتكر بحبكة درامية تناسبه أكثر.


دلالات

تعليق: