"النهضة" حاكمة تونس

17 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
على ضوء نتائج الانتخابات النيابية في تونس، وانعقاد مجلس نواب الشعب في جلسته الافتتاحية الأولى، تولّى زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، رئاسة المجلس التشريعي حائزا على أغلبية نسبية، إذ تم التصويت لفائدته بـ 123 صوتا (من 217 نائبا). ولا يعكس عدد الأصوات هذا والنسبة التي حظي بها مسيرة الرجل وسمعته، فضلا عن حجم "النهضة" السياسي، باعتبارها رقما صعبا في المعادلة السياسية الوطنية. يبدو أن سنوات ما بعد الثورة وما رافقها من إخفاقات المرحلة الانتقالية قد حدّت من شعبية الحركة. ويشهد تراجع عدد المقاعد التي حازتها، وهي التي مرت من 83 مقعدا سنة 2011 إلى 53 مقعدا، وانحسار عدد الأصوات التي منحتها الثقة، على أزمة الحركة، حتى وإن بدت للوهلة الأولى فائزة. لم يكن انتصارا يمنحها انتشاءً، بل بدت كأنها في ضيقٍ منه. 
لم تكن رئاسة حركة النهضة مجلس النواب أمرا سهلا، وقد يكون الثمن الذي دفعته باهظا، فقد مس من "طهريتها" وسمعتها الأخلاقية، وهي التي شيدت رأسمالها السياسي على نظافة اليد والنزاهة والأمانة. ولكنها أمام فوزها المنهك، واستئساد حلفائها المحتملين، وتحديدا حزب التيار الديموقراطي وحركة الشعب، وجدت نفسها، كما تدّعي، "مضطرة" إلى أن تتحالف مع حزب قلب تونس، والذي طالما اتهمته بالفساد في حملتها الانتخابية. وقد وعدت، في برنامجها الانتخابي، بأن تسهر على مكافحة الفساد أولوية مطلقة، وحفّز هذا جزءا كبيرا من قواعد الحركة على بناء خطابها لاستعادة شرعية الثورة، والانضمام مجدّدا إلى حملتها على مقاومة الفساد.
فازت "النهضة" برئاسة البرلمان، بفضل ذلك التحالف، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك. ولولا أصوات حزب قلب تونس الـ32، لما صعد الغنوشي إلى هذا الموقع، غير أن الثمن السياسي له قد يكون ثقيلا، خصوصا إذا كان المنجز الحكومي غير مستجيبٍ لتطلعات الفئات الواسعة من المواطنين. وتعلم "النهضة" أن الشعب منحها "إمهالا"، وجنّبها عقابا كان سيصير ماحقا، على غرار ما تم الأمر بالنسبة لحزب نداء تونس والجبهة الشعبية وغيرهما، غير أنه الإنذار الأخير الذي قد لا يتردّد في أن يكون أكثر قسوةً في المحطات المقبلة.
استعمل خصوم حركة النهضة هذا التحالف الذي تم، على عرضيته، حجّةً لاتهامها بمد اليد إلى 
الفاسدين، من أجل أن تُحكم سيطرتها على البلاد، من خلال السيطرة على مؤسستي مجلس النواب والحكومة، وهي التي عينت الحبيب الجملي لرئاسة الحكومة، ثم كلفه رئيس الجمهورية ببدء التفاوض من أجل تشكيل الحكومة، كما ينص الدستور. وبذلك تبسط "النهضة" بشكل منفرد يدها على "القصبة" (رئاسة الحكومة) وباردو (البرلمان). وهذه المرة الأولى بعد الثورة التي تصل إلى هذه المرتبة، فإذا كان نصيبها رئاسة الحكومة، بعد انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، فإنها ظلت، بعد انتخابات 2014 إلى انتخابات 2019، تحكم مع غيرها من الأحزاب، خصوصا نداء تونس، بأحجام متفاوتة، تراوحت بين وزيرين وثلاث في أقصى الحالات.. وظلت الحركة، في كل هذه التجارب، تبدي تحسّرا على ضعف الحصيلة، معللة ذلك بأنها لم تحكم بمفردها، وأن البرامج المدعوة إلى تنفيذها لا تنسجم مع توجهاتها، وليس من اقتراحها.
ويشكل صعود "النهضة" وبسط سيطرتها على مؤسستي الحكم، البرلمان ورئاسة الحكومة، فرصة نادرة لحركة إسلامية في العالم العربي، تحكم بفضل الديموقراطية وشرعية صناديق الاقتراع، باستثناء الحالة المغربية. ولكن هذه الفرصة تشكل أيضا اختبارا صعبا، بعد أن زالت الذرائع التي قدمتها "النهضة" منذ سنة 2011، فلم يعد ممكنا أن تتعلل الحركة بأنها تحكم مع غيرها من موقع ضعف، وهي التي ستختار شركاءها، و"تُملي" عليهم تقريبا برنامجها.
يحدث هذا الصعود البارز، والهيمنة المتوقعة على مؤسسات الحكم، في سياق مفارقةٍ قد تكون محدّدة لمآلات الحكومة وحركة النهضة معا خلال المدة النيابية المقبلة، فعلى خلاف هذا "التمدد" الجغرافي للحكم (القصبة وباردو)، تتراجع الجغرافيا الرمزية للحركة، سواء بتراجع شعبيتها أو ما بدا لعديدين من خصومها، وحتى المتعاطفين معها، زيغا عن أرضيتها الأدبية التي كانت وراء شعبيتها: أخلقة المجال السياسي، والتبرؤ من الفاسدين.. لم يعد طيف كبير من ناخبي "النهضة" وقواعدها مطمئنا إلى خطابها وممارساتها، وهي التي انغمست، تحت وطأة الحكم ومساومة شرسة لحلفاء محتملين يتمنعون، بشكل شرس، وضمن استراتيجيات تفاوض فيها ذكاء وحنكة كثيران، في براغماتية قد غيرت ملامحها وقسماتها بشكل غير مسبوق. يخشى هؤلاء أن مساعي الإسلام الديموقراطي الذي تبشر به حركة النهضة قد تتلف الاثنين معا، إسلامية الحركة والديموقراطية. تجيب "النهضة" على هذه التحفظات، بلسان رئيسها ورئيس مجلس النواب: وحدهم الأغبياء لا يتغيرون.. كان ذلك تحت قبة البرلمان قبل أيام.