"النثر الخيالي في الأندلس": صور الخرافة ونصوصها

14 يونيو 2018
الصورة
(رسم من داخل "الحمراء")

تناول العديد من الباحثين التجديد في الأدب الأندلسي، الذي شهد في مراحله الأولى محاكاةً لمعظم فنون الكتابة في العصر العباسي، قبل أن تتبلور ملامحه الخاصة نتيجة تفاعل مؤثرات ثقافية متنوّعة؛ عربية وإسبانية، وظهرت أشكال وتعبيرات جديدة منذ القرن الخامس الهجري.

تركّزت الدراسات بشكل أساسي على الشعر، ربما لأنه وصل منه الكثير من المؤلّفات قياساً بالكتابات النثرية التي فُقد العديد منها، ولأن حضوره في الموسيقى والغناء ظلّ مضموناً بسبب الحامل الشفوي الذي مثلته الموشحّات والتي انتقلت إلى بلدان المغرب العربي.

ظهر النثر في بداياته على يد الشعراء الأندلسيين، ثم تخصّص أصحابه في ما بعد ليتناولوا في أعمالهم حقولاً مختلفة تشمل اللغة والأدب والفلسفة والتاريخ والطبيعة والعلوم وشؤون السياسة والعسكر، واعتنوا بأناقة شكلها والتفنّن بأساليبهم التي أصبحت تهتمّ بالتفاصيل وأنماط الحياة الاجتماعية الجديدة.

تدرس الباحثة والأكاديمية الأردنية دينا ملكاوي في كتابها "النثر الخيالي في الأندلس: التشكيل والتأويل" الصادر حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان، "الخيال الذي يجعله الكاتب أساس الأداء في النص، أي الإطار الإبداعي كله، وليس الأسلوب الذي يستخدمه الكاتب لقضاء غرض بياني فحسب"، بحسب تقديمها.

تعود الدراسة إلى القرنين الخامس والسادس الهجريين في اختيار النماذج المختارة، وهي الفترة التي تشير فيها المصادر التاريخية إلى تطوّر المنتج الإبداعي الأندلسي، ضمن تفسيرات متعدّدة يرجح منها تخلّص كتّابه من الحنين إلى المشرق، واندماج الكتّاب مع بيئتهم، ما قد يفسّر نزوعهم إلى تضمين الفلسفة والعلوم أكثر في كتاباتهم، وتوظيّف الغرائبي والعجائبي كما تستقصيه المؤلّفة في عدد من النصوص.

خمسة أجناس أدبية؛ تقف عندها ملكاوي التي عادت إلى حوالي مئتي مرجع، وهي: القصة بنوعيها؛ الأدبي والفلسفي خلال قصتي "التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي، و"حي بن يقظان" لابن طفيل، والرسائل التي تتمثل بمجموعة من الرسائل كتبها بعض الأدباء الأندلسيين، واشتهرت باسم "الزرزوريات"، وأصل هذا النوع من الرسائل استثارة لفظية عابرة طوّرها الأدباء لإبراز البراعة والسخرية، وأول مبتدئ لها أبو الحسين بن سراج.

إلى جانب المقامات، ومنها مقامة لأبي حفص بن الشهيد، و"المقامة العنقاوية" للسرقسطي، والمحاورات والمناظرات التي أجريت بين الأزهار أو البلدان أو الأدوات، مثل محاورة ابن برد (440 هـ) في تفضيل الورد على سائر الأزهار، ومناظرة أبي بحر صفوان بن إدريس التي سرد فيها بأسلوب قصصي مقولة كل مدينة عن حسنها وفضلها، وما تستحق من أجله التفضيل على بقية المدن، والمناظرة التي أجراها ابن برد بين السيف والقلم، حيث أخذ كل منهما يمدح نفسه باستخدام الحجج العقلية، والتماس البراهين على أقواله في القرآن الكريم، والتراث العربي، وأخيراً الرحلات وتتمثّل برحلة أبي حامد الغرناطي التي سمّاها "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب".

نقع في هذه النصوص على مناخات فانتازية؛ عوالم الجن ومجالسهم وغرائب القصّ ومبتكره، لكنها تبدو ذريعة لسرد رؤاهم النقدية في الأدب وأهله، ومواقفهم الفلسفية في الوجود والخلق، وآرائهم في الاعتراض على مجتمعاتهم وسلوكها، كما في قصة "التوابع والزوابع" لابن شهيد وفيها تخيّلَ نفسه تابعاً من الجن أطلق عليه اسم زهير بن نمير ليلتقى أدباء العرب وتوابعهم، فيرفض مثلاً ما يُقال عن تقليد الأندلسيين للمشرقيين، وينتصر للفطرة على الصنعة في حديثه عن البيان، أو في انحيازه للشعراء على الخطباء رغم أن الأخيرين أولى بالتقديم.

وكذلك في المقامات التي تتحدّث فيها الحيوانات بالسخرية والنقد من عيوب المجتمع ومثالب أفراده، بينما تحضر الخرافات والحوادث العجيبة في نصوص الرحلات بهدف التشويق والإثارة بالدرجة الأولى، ولكن الحال تختلف في فنون أخرى كالمناظرات والمحاورات التي اتخذت أداة للتقرّب من الولاة والسلاطين.

تقدّم الدراسة صورة شاملة عن ضروب الأدب التي تضمّنت قصصاً خيالية لا تنتمي إلى الواقع، وأوردت خصائصها الفنية والأسلوبية وكيفية توظيفها للتراث العربي، إضافة إلى تخصيصها الفصل الأخير لتحليل "زرزورية" ابن أبي الخصال الثالثة، لكن الأهمّ من ذلك أنها تمثّل مادة أساسية في التعريف بمرحلة وتشكيل خريطة مفصّلة تتيح للباحثين الاشتغال على تفرّعاتها والإضافة عليها.