"الملكية البرلمانية" في المغرب: انقسام حول الفكرة يبقيها في مهدها

20 يناير 2019
الصورة
ينص الدستور على أن الملك رئيس الدولة(فضل سنا/فرانس برس)
+ الخط -

أعادت التصريحات القوية التي هاجم فيها أخيراً رئيس الحكومة المغربية السابق، الأمين العام السابق لحزب "العدالة والتنمية"، عبد الإله بنكيران، مطلب "الملكية البرلمانية"، واعتباره مطلباً خطيراً لليساريين، إلى الواجهة موضوع نظام الملكية البرلمانية الذي تختلف بشأنه الأحزاب والتيارات السياسية، مقارنة مع نظام الملكية التنفيذية الذي يسود البلاد. وصرح بنكيران أنه ضد مطلب الملكية البرلمانية، أي أن الملك يسود ولا يحكم، مشدداً على أن "الصلاحيات يجب أن تبقى في يد الملك، وما تبقى يجب أن يكون بتفويض منه للحكومة وغيرها من المؤسسات"، قبل أن يحذر من "التطاول على المؤسسة الملكية أو تقليل الأدب عليها"، وفق تعبيره.
بنكيران كان صريحاً بخصوص موقفه من الملكية البرلمانية، فهو من أشد الرافضين لهذا المطلب الذي ينادي به يساريون، كل وفق مرجعيته ودوافعه، وهو يعتبر إرساء الملكية البرلمانية خطراً على البلاد، لكونه يعتقد أن الملك يجب أن يحكم ويسود، وليس يسود ولا يحكم مثل عدد من الملكيات الأوروبية.

وتختلف أحزاب وهيئات سياسية وإسلامية إزاء مطلب الملكية البرلمانية، ويمكن اعتبار حزب "العدالة والتنمية"، ذي المرجعية الإسلامية، إحدى الهيئات الرافضة لهذا النوع من النظام، وإن كان في الحزب قياديون ينادون بالملكية البرلمانية. كما ترفضه جماعة "العدل والإحسان" لأسباب سياسية تخصها، في الوقت الذي تطالب به قوى يسارية وتضعه شرطاً للتنمية والتطور في البلاد.
ويحدد الفصلان 41 و42 من دستور سنة 2011 شكل النظام الملكي في المغرب، ويوردان أن "الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية"، كما أنه "رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي"، فضلاً عن كونه "ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة".
وأما مطلب الملكية البرلمانية، الذي يدعو إليه يساريون بشكل خاص، فيعني من بين ما يعنيه النأي عن الملكية التنفيذية التي تتحكّم في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية، ومنح السلطة التنفيذية (الحكومة) العديد من الصلاحيات، على أن تبقى الملكية معنية بالإشراف على القضايا الاستراتيجية من جيش وأمن ومؤسسات محورية.

وبخصوص حزب "العدالة والتنمية"، تتضارب وسطه مواقف قياداته حيال هذا المطلب. والحزب الذي يقود الحكومة ظل منفتحاً مع تعبيرات قيادييه، ولم يحسم الأمر بموقف سياسي يلتزم به الجميع، فمثلاً بنكيران يعلن رفضه الشديد لإرساء الملكية البرلمانية في البلاد، بينما قياديون آخرون ينادون صراحة بذلك. القيادي في الحزب، عبد العالي حامي الدين، سبق له أن أثار قبل أسابيع قليلة ضجة عارمة بعد تصريحه بأن "الملكية بشكلها الحالي معيقة للتقدّم والتطور والتنمية، وأنه إذا لم يحصل أي تغيير في شكل النظام فإنه لن يكون مفيداً لا للملكية نفسها ولا للبلد". وتم اتهامه بأنه مسّ بالنظام الملكي، غير أنه رد بأنه لم ينتقد الملكية، بقدر ما طالب بضرورة "إصلاح النظام السياسي". وأوضح حامي الدين بأن قصده هو أن "الملكية في المغرب قابلة للتطور الإيجابي"، وأن الملك نفسه قال للجنة إصلاح الدستور "القداسة لله وحده ولله العصمة وأنا ملك البلاد"، داعياً ما سماها الحركة الإصلاحية والديمقراطية في البلاد إلى الدفع في اتجاه إقرار الملكية البرلمانية.

الرؤية نفسها تقريباً يتقاسمها قيادي بارز آخر في "العدالة والتنمية"، المصطفى الرميد، وهو اليوم يشغل منصب وزير الدولة في حقوق الإنسان في حكومة سعد الدين العثماني، وأكد في تصريحات بعد الضجة التي أثيرت بشأن تصريحات حامي الدين، أن "المغرب لا يعيش مرحلة ديمقراطية ولا يعيش مرحلة استبداد، وهو في مرحلة بين بين، تتمثل في انتقال ديمقراطي عسير"، وأن "الملكية البرلمانية هي الصيرورة الحتمية للديمقراطية المغربية في مرحلة الاكتمال"، وفق تعبيره.

وكان الرميد قد "اشتهر" بمقال كتبه بشأن مطلب الملكية البرلمانية، قال فيه إن "مطلب الملكية الدستورية أو البرلمانية يجد مشروعيته في كون الملوك في العالم العربي لهم صلاحيات واسعة تكاد تكون مطلقة بحكم الدستور أو بحكم الواقع مقابل عدم إمكانية مساءلتهم أو محاسبتهم، فضلاً عن عدم وجود أي مادة دستورية لتغييرهم". ووفق الرميد فإن هذا "مأزق لا يتلاءم وادعاء ديمقراطية هذه الأنظمة، إذ من المشروع التساؤل عن هذا النوع من الديمقراطية التي تتيح للملوك سلطات مطلقة في تدبير كل الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الرياضية، من دون إمكان توجيه حتى مجرد سؤال لهم، بل حتى مجرد التعقيب على خطبهم من قبل ممثلي المواطنين".


جزء آخر من الإسلاميين يرفضون المشاركة في "اللعبة السياسية"، يتمثلون خصوصاً في جماعة "العدل والإحسان"، التي ترفض مطلب الملكية البرلمانية، لكن بحسابات وخلفيات سياسية مخالفة لأسباب رفض قياديي "العدالة والتنمية"، وعلى رأسهم بنكيران والعثماني، لهذا المطلب.
وتعلن جماعة "العدل والإحسان" صراحة أنها ترفض الملكية التنفيذية، باعتبار أن هذه "المؤسسة الملكية في المغرب تحتكر جل وأهم السلطات، من دون إمكانية لأية مساءلة أو محاسبة، مقابل منتخَبين يوضعون في الواجهة من دون قدرة حقيقية على ممارسة السلطة"، وفق ما ورد في تقرير سياسي حديث للجماعة. الجماعة ترى أن المشهد السياسي في المغرب "تُستكمل صورته بفاعلين ثانويين يُمنحون هامشاً من السلطة"، وبأنهم باتوا "هياكل تحت الطلب"، وهو ما "اتضح بشكل لا لبس فيه بعد إقرار دستور 2011؛ عبر الانحياز الواضح نحو تنزيلٍ وتأويلٍ وتفسيرٍ ينتصر للملكية التنفيذية ويبتعد عن فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما كرسته وما تزال القوانين والقواعد والممارسة"، بحسب تقرير الجماعة.

والجماعة إذ تعارض شكل الملكية التنفيذية، فإنها تعارض إرساء الملكية البرلمانية، لكن ليس بالمبررات التي يوردها بعض قياديي "العدالة والتنمية" أو حتى تيارات اليسار، ولكن بمسوغات خاصة بها، إذ ترى أن أفضل نظام يمكن أن يحكم هو نظام الخلافة، غير أنه ليس المقصود بها نظام الخلافة كما كان معمولاً به في صدر الإسلام. وإنما الخلافة عند "العدل والإحسان"، هي "نظام سياسي يحترم العدل وحريات الإنسان والحق ويفصل بين السلطة والثروة ويربط المسؤولية بالمحاسبة والحكم بصناديق الاقتراع، ويمكن أن تكون على شكل الاتحادات الكبرى التي يعرفها العالم كالاتحاد الأوروبي"، وفق تصريح سابق للقيادي البارز في الجماعة، لحسن بناجح.

في المقابل، فإن "فدرالية اليسار"، المشكّلة من أحزاب يسارية شاركت في انتخابات البرلمان لعام 2016، تنادي بإقرار الملكية البرلمانية كنظام أفضل من الراهن، من خلال "المطالبة بفصل الدين عن السياسة، ويمارس الشعب الحكم بشكل ديمقراطي للخروج من شرنقة الفقر والتخلف، والدخول إلى عالم التحضر والتقدّم، بمؤشر ناتج داخلي للفرد يتجاوز 30 ألف دولار" بحسب تعريف القيادي اليساري عمر بلافريج.

من جهته، فإن حزب "الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، اليساري المعارض، يطالب بإقرار نظام سياسي قائم على الملكية البرلمانية في المغرب، ويعتبر هذا الشكل من الحكم "حلاً واقعياً وتاريخياً للتناقض بين طبيعة النظام السياسي وحاجة المجتمع المغربي إلى الديمقراطية الحقيقية".
وأما حزب "النهج" اليساري الراديكالي، فيرى أن حركة 20 فبراير، التي شارك فيها بقوة أيام "الربيع العربي"، كانت فرصة مهمة لإصلاح الملكية في المغرب، لكن المحاولة تم إجهاضها، وفق زعيم الحزب عبدالله الحريف، معتبراً أن "الانتقال من الملكية التنفيذية إلى الملكية البرلمانية يعني، في العمق، التقدّم في إقرار ديمقراطية حقيقية".

المساهمون