"المغاربي للكتاب" في دورة ثالثة: وجدة تكسب رهانها

17 أكتوبر 2019
الصورة
الشباب في المعرض
+ الخط -

بالنسبة إلى شاب مغربي اعتاد أن تجري كلّ الأحداث الثقافية بعيداً عنه بمئات الكيلومترات غرباً، لا بُدّ أن يمثّل "المعرض المغاربي للكتاب" في وجدة متنفّساً ونافذةً إلى العالم. هذه كانت إجابتي عن سؤالٍ للكاتبة الإيطالية باولا كاريدي، التي كانت ضيفة دورته الثالثة المنظَّمة بين التاسع والثالث عشر من الشهر الجاري: "ماذا يمثّل لكَ المعرض؟". والحق أنه، وفي شبه العزلة الجغرافية التي تعيشها المنطقة الشرقية من المغرب، والواقعة على حدودٍ مع الجزائر مغلقةٍ منذ خمس وعشرين سنة، يجد المهتم بالثقافة نفسه عاجزاً عن ربط اتصال ثقافي بغيره خارج حدود البلد، لولا مناسبة كتلك التي عاشتها مدينة وجدة قبل أيام.

"معرضٌ على طراز معارض باريس وبرلين وتورونو"... هكذا يصفه مدير البرنامج العربي للمعرض الشاعر المغربي جلال الحكماوي، قاصداً بذلك أنَّ فعالياته تضمّ جانبَين: الأوّلُ مخصَّصٌ لعرض الكتب في الخيمة التي ظلّت منصوبة طيلة خمسة أيام، والثاني هو البرنامج الثقافي بما فيه من موائد مستديرة وندوات ولقاءات نُظّمت في قاعات "مسرح محمد السادس" و"جامعة محمد الأول".

ستّة وثلاثون مائدةً مستديرة وُزّعت على قاعات بأسماء من كرّمهم المعرض: فرانز فانون المفكّر المناهض للاستعمار، وفاطمة المرنيسي عالمة الاجتماع المغربية، والمقاوم المغربي عبد الله كنّون، والكاتب الكاميروني مونغو بيتي؛ حيث دارت نقاشات متنوّعةٌ في فلك شعار المعرض لدورته الثالثة "الإيصال من جيل إلى جيل"، وتناولت مواضيع مختلفة؛ مثل "مساءلةٌ للوطنيات" وهو عنوان المائدة التي أدارتها المؤرّخة التونسية الفرنسية صوفي بسيس بحضور متدخّلين آخرين، و"الرواية أشكالاً وتجارب" التي جمعت روائيّين عرباً من أجيال مختلفة؛ من جيل الروائية المصرية سلوى بكر (1949) إلى جيل الروائي الجزائري ميلود يبرير (1985)، أو "نشر وإيصال الشعر"؛ النقاش الذي تجاذب أطرافَه شعراء من العالم العربي وأوروبا.

وفي الشعر، أيضاً، اجتمع شعراء من مختلف أنحاء العالم لإحياء أمسيتَين شعريّتَين على هامشه. كانتا، وإضافة إلى متعتهما الفنية، فرصةً للانفتاح على تجارب شعرية من العالم ووصل جسورٍ بين ثقافاته المتعدّدة.

بحسب اللجنة المنظمة، فإنّ "الحصيلة مقنعةٌ بالنسبة إلى حدث ثقافي ما زال فتياً". وفي مؤتمرٍ صحافي في ختام التظاهرة، قال رئيسها محمد امباركي إنَّ الحضور في هذه الدورة بلغ قرابة 48 ألف زائر، معتبراً إيّاه "رقماً كبيراً ومشجّعاً؛ حيث إنّه يشكّل نسبة عشرةً في المائة من سكّان المدينة".

وفيما انتقد بعض الصحافيّين ما اعتبروه قلّةً في عدد الزوّار، دافعت اللجنة المنظّمة عن حصيلتها، بالقول إنَّ طرح مقاربة المسألة من زاوية عددية هو أمرٌ ثانوي مقارنةً بالعمل التأسيسي الذي تقوم به هذه التظاهرة الفتية. واعتبر جلال الحكماوي أنَّ "المعرض بدأ يبني إشعاعه الدولي وأصبح الآن معروفاً في أماكن بعيدة من العالم، بفضل الضيوف الذين استقبلهم وعاشوا من خلاله تجارب جيّدة حملوها معهم للتعريف به في بلدانهم".

لم تبق فعاليات المعرض منحصرةً خلال هذه الدورة في مقرّه الرئيسي؛ "مسرح محمد السادس"، بل تعدّى ذلك لنقل فعالياته إلى الجمهور في عددٍ من المؤسّسات المدرسية والجامعة الوحيدة في المدينة. يتمثّل الهدف من ذلك، بحسب الحكماوي، في "إشراك التلاميذ والطلبة في الحدث وتقريب الكتاب والثقافة من الجيل الصاعد الذي يراهن عليه المعرض". كذلك، أشركت التظاهرةُ جمعيات شبابية محلية في أنشطتها، حيث خصّصت لها جناحاً لأنشطتها.

وفي هذه السنة، حضر المعرضَ ما يقارب أربعين ناشراً من بلدان مختلفة؛ من بينها الكاميرون التي كانت ضيف شرف الدورة، ولم يغادروا المدينة قبل أن يؤسّسوا "نادي وجدة للناشرين"؛ وهو جمعية تضمّ ناشرين من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا ومالي والكاميرون وفرنسا، وهو ما شجّع مشاركين آخرين على تأسيس ناد آخر لـ "أصدقاء المعرض المغاربي للكتاب".

بهذا الشكل، مرّت أيام "المعرض المغاربي للكتاب" الخمسة، والتي كانت بمثابة فسحةٍ لبث الحياة في الحركية الثقافية داخل المدينة التي نجحت في رهان قدرتها على استيعاب حدث ثقافي بهذا الحجم، ليضرب موعداً لجمهوره في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة.

المساهمون