"المجتمع الشبكي": توزيع أوراق متجدّد

01 أكتوبر 2015
الصورة
تجهير لـ آي واي واي/ الصين
+ الخط -

ينطلق عمل دارن بارني من تعريفات ضمّنها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 - 1920) في عمله "روح الرأسمالية"، حين اعتبر أن أكثر ما يميّز روح الرأسمالية الصناعية هو افتقادها للروح.

"المجتمع الشبكي" (الصادر عن "المركز العربي للأبحاث والدراسات"، 2015، بترجمة لأنور الجمعاوي)، هو محاولة للاستمرار في البحث في هذا الاتجاه: ما هو روح الرأسمالية اليوم؟ بعد التطوّر التاريخي الذي جدّ بين بداية القرن العشرين، حين طرح فيبر فكرته هذه، وبداية القرن الواحد والعشرين حين يعيد بارني السؤال نفسه.

يرى المؤلّف أن روح عصرنا هي "الشبكة"؛ بعباراته يقول إن "المبادئ التأسيسية للشبكات أصبحت قوة محرّكة للحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية".

الشبكة في تعريفها البسيط هي "حالة ترابط بنيوي بين نقاط متباينة"، أو بشكل تجريدي أكثر: الشبكات = نقاط + روابط + تدفّق. ومنذ أن تترابط ضمن الشبكة، تسمّى النقاط عُقداً (جمع عُقدة)، يمكن أن تكون هذه العقد حواسيب أو أشخاصاً أو شركات أو غيرها.

من البديهي، أن كلمة "الشبكة" تحيل مباشرة إلى عالم التكنولوجيا، لكن بارني يحب أن يؤكد لقارئه أن هذا ليس سوى مستوى وحيد من الحقيقة، فالمفهوم يتجاوز المجال التكنولوجي إلى العلاقات الاجتماعية التي تخلو من حضور التكنولوجيا فيها، كما أنه يعطي أمثلة لشبكات وُجدت قبل الحداثة ذاتها، فالدولة كمؤسسة هي شبكة، وكذلك الجيوش والسوق، حتى الضيعات الفِلاحية التي نجد فيها أثراً لتقسيم العمل منذ قرون عديدة هي شبكات.

احتاج سحب مصطلح "الشبكة" على المجتمع الحديث، كتوصيف عام، من بارني أن يبرّر هذا الخيار. هنا، يفتح المؤلّف قوساً على ظاهرة بروز "كوكبة من التسميات" على العصور والمجتمعات، باتت من مميّزات الدراسات الفكرية في العصور المتأخرة. هذه المراجعة النقدية، تمثل أيضاً مقدمة يبيّن من خلالها القدرة التفسيرية للمصطلح الذي يطرحها "المجتمع الشبكي".

يرى المؤلف أن تطوّر الرأسمالية أخذ منعطفاً في القرن العشرين باتجاه اقتصاد يعتمد على الخدمات أكثر من الصناعة. هذا التغيير جعل من قوة العمل (العمّال) تميل باتجاه من يسمّيهم بـ "أصحاب الياقات البيضاء" (الموظفين)، بعد أن كانت الأغلبية من "أصحاب الياقات الزرقاء" (البروليتاريا بالتعبير الماركسي).

في هذا الوضع المستجد، يُبيّن بارني أن "السيطرة" لم تعد تعني وضع اليد على وسائل الإنتاج، وإنما تتمثل في وضع اليد على حركة سيلان المعلومات.

الفرضية الأساسية التي يقدّمها المؤلف، هي أن تزايد الأجهزة أو تغيير خصائصها يعني تغيّر قدرات الشبكة برمّتها. يعتبر أنه يمكن تعميم ذلك على المجتمع، فتطوّر الترابط بين أفراده بانتشار وسائل الاتصال الموسّع، هو مؤشر لتحوّلات ستظهر على موازين القوى. هذه التحوّلات لا تتوقف عن الحدوث، وكأن الأمر هو عملية توزيع أوراق متجددة في لعبة البوكر.

بطرحه لهذه القراءة، ينفتح أفق دراسة آثار هذه التغيّرات، والتي تقع في الحاضر والمستقبل، ولعلّ مفهوم "السيادة" من أبرز ما يلحقه التغيّر، فالدولة وكذلك الطبقات التي اعتادت على الهيمنة، تجد بأن أدواتها التقليدية في التحكّم باتت مهترئة.

لقد أضافت الشبكات بعداً لامكانياً للسيادة والتأثير الاجتماعي، والعمل أيضاً، وهي متغيّرات تقلّص من التحكم في القطاعات الاجتماعية التي كانت تحت السيطرة. لكن، على مستوى ثان، تدعو هذه المتغيّرات المُهيمنين القدامى إلى تملّك أدوات التحكّم الشبكية لضمان استمرار سيطرتهم.

يقابل هذا التحوّل، الذي فرضه الواقع الشبكي، تحوّلٌ معاكس في هندسة الشبكات أيضاً، إذ يلاحظ بارني أن الأخيرة باتت تصنع حواجزها وحرّاس بوّاباتها، بل إن عدم النفاذ إليها يؤدي إلى "الحرمان" دون أن يعني النفاذ إليها التساوي في الفرص.

يستنتج بأن الشبكات، ورغم أنها تُقيم تغيّراً دائماً في العلاقات داخل المجتمع، لكنها في الأثناء لا تلغي الطبقية أو تفاوت الفرص. هنا يعطي مثالاً مهمّاً، وهو ما ذكره الباحث الأميركي لورنس ليسنغ حيث يقول "إن هندسة الإنترنت هي نوع من القانون" باعتبارها تقوم بما يقوم به القانون وهو تحديد ما يُسمح بالقيام به وما لا يُسمح.

يكشف بارني أن النظر إلى العالم من المنظور الشبكي، قد سرّع من تنامي الشبكات، ما يسمّيه بـ"قدرة الشبكات على التوالد"، ويُرجع سبب ذلك إلى "تضخم الرأسمالية" وحاجتها إلى المزيد من الشبكات، والتي تتمثل بالخصوص في منظمات مثل البنك الدولي أو الأمم المتحدة.

تمثل الشبكات، أيضاً، المرآة التي تعكس كل ما يحدث في العالم اليوم. يقدّم مثال حادثة 11 أيلول 2001 والتغيّرات التي أدخلتها على شبكة الإنترنت، خصوصاً على الصعيد الأمني ثم انعكاس ذلك على التناول الأمني في الواقع، لتتابع التغيّرات في العلاقات الدولية والتجارة وغيرها.

الشبكات باتت كذلك الفضاء الأنسب للإعلان عن الهويات، أو الصراع بينها، كما تتيح استبدال هوية بأخرى، لأسباب متنوعة، منها اختبار هويات أخرى. هكذا، يتبلور سؤال يبدو وكأنه ظل يحاذي كل الأفكار التي طرحها بارني: هل تكون الحياة تحت سقف الشبكات مُعرّضة أكثر للهيمنة والاستلاب، أم على العكس، تتيح فجواتها حرية أكثر؟

اقرأ أيضاً: مستقبليات العرب المعلّقة

المساهمون