"المتسولون" الجدد ..يمنيون يخرجون إلى الطرقات بحثًا عن الطعام


16 يوليو 2016
الصورة
زيادة أعداد الأطفال المتسولين في اليمن (فرانس برس)
+ الخط -

في عصر يوم شديد الحرارة تقف امرأة بثياب نظيفة وسط شارع حدة في العاصمة اليمنية صنعاء، لتسأل المارة طعاماً لأطفالها وتقول "لا نريد المال، فقط لا نجد في البيت ما نأكله، اشترِ لي أي طعام".
وغير هذه المرأة مئات النساء والأطفال يفترشون الشوارع ويطوفون على المحلات والمطاعم يطلبون طعاماً، ويقولون إنهم ليس لديهم المال الكافي لشرائه.

ويعكس طابور المتسوّلين في شوارع صنعاء واقعاً معيشياً مخيفاً، حيث فقد آلاف المواطنين مصادر رزقهم بسبب الحرب، ما ينذر بحدوث مجاعة في أفقر بلد على مستوى المنطقة.
وتقول تقارير المنظمات الدولية إن آلاف اليمنيين فقدوا بالفعل أرواحهم خلال الحرب الدائرة وفقدوا أعمالهم، لكن ملايين آخرين يواجهون خطر الجوع بحلول نهاية العام الجاري.
وظاهرة التسوّل ليست جديدة على العاصمة اليمنية، هناك العشرات يتسولون على مدار العام وقد أصبح التسول لديهم مهنة، لكن الحرب أنتجت نوعاً جديداً هو تسول الطعام، وأخرجت فئات جديدة من منازلها تحت ضغط الجوع لتمتهن هذه المهنة الجديدة.

عشرات النساء والأطفال يجوبون شوارع العاصمة اليمنية ويمرون على المحلات ويقفون في تقاطعات الشوارع يدقون نوافذ السيارات ويلاحقون المارة طلباً للطعام.
وقال العامل في محل تجاري بصنعاء، أحمد الذبحاني، لـ "العربي الجديد": "يمر علينا يوميا مئات المتسولين من النساء والأطفال والشيوخ، ومظهرهم وطريقة حديثهم تقول إنهم ليسوا متسولين ولكن الجوع هو الذي دفعهم لهذا التصرف".
وقال عامل في أحد المطاعم، وليد أحمد، لـ "العربي الجديد": "نوزع يومياً عشرات الوجبات على المتسولين وكثير منهم يبدو أنهم كانوا غير فقراء ولكن جارت عليهم الحرب، نعطي كل واحد قليلاً من الأرز وبعض الخبز".


ويعاني سكان صنعاء من قلة الدخل وتوقف الأعمال والخدمات ومن ارتفاع الأسعار التي تحقق قفزات كبيرة شهرياً وارتفعت خلال مايو/ أيار الماضي بنسبة 40%، حسب تجار لـ"العربي الجديد".
وتسيطر مليشيات الحوثيين على العاصمة اليمنية وعلى مؤسسات الدولة منذ سبتمبر/ أيلول عام 2014، وإعلانها الانقلاب على الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي.
ومؤخراً بدأت مؤسسة خيرية يمنية في صنعاء بتقديم وجبة الغداء بشكل يومي للفئات الأشد فقراً والمتضررين من الحرب في العاصمة صنعاء، من خلال إنشاء مطبخ مجاني يقدم الوجبات والخبز الطازج للمئات من الفقراء النازحين، والذين فروا إلى العاصمة صنعاء من محافظات الشمال والوسط.

ويقدم المطبخ بشكل يومي الأرز كوجبة رئيسية للمحتاجين إضافة إلى الخبز الطازج، بعد قيام المؤسسة بإقامة مخبز لصناعته وتقديمه ساخناً.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، إرثاين كوزين، في منتصف مايو/ أيار الماضي، إن الأزمة اليمنية أدت إلى تفاقم الوضع الإنساني بصورة كبيرة في البلد، وتسببت في رفع عدد الذين يعانون الجوع بأكثر من 3 ملايين إنسان خلال عام واحد.
وأكدت أن العدد الإجمالي لمن يحتاجون إلى المساعدات الغذائية في اليمن تجاوز 7.6 ملايين نسمة.

ويعاني سكان مدينة عدن (جنوب)؛ وهي العاصمة المؤقتة ومقر الحكومة، من توقف الرواتب وانعدام القدرة الشرائية، ما فاقم المعاناة وأدّى إلى انتشار التسوّل بشكل مخيف.
وشهدت الأسواق والمراكز التجارية في عدن ارتفاعاً لم يسبق له مثيل في قيمة السلع الغذائية المستوردة والخضروات المنتجة محليا خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران.
وقال موظف حكومي في عدن، سعيد محمد، لـ "العربي الجديد"، "ارتفعت الأسعار خلال يونيو/ حزيران الجاري بشكل جنوني، فكيس السكر الواحد زنة 50 كيلوغراماً ارتفع إلى 12 ألف ريال (الدولار = 250 ريالاً) من 7900 ريال قبل ثلاثة أشهر، وارتفع كيس الأرز زنة 50 كيلوغراماً إلى 14 ألفاً، وكيس القمح زنة 50 كيلوغراماً الى 7 آلاف ريال".

وأطلقت جمعيات خيرية في عدن (جنوب)، خلال يونيو/ حزيران، مشروع (رمق) الخيري، والذي يعمل على تقديم وجبة غداء يومية عامة لمن انقطعت بهم السبل والمارة من الفقراء والمساكين الذين يجدون صعوبة في توفير وجبة الغداء وسد رمقهم من الجوع الذي يحدق بهم، كما يقوم المشروع بدعم الأسر الفقيرة من خلال تقديم وجبة غداء تسد جوعهم.
وتنفذ المنظمة الدولية لمكافحة الجوع أنشطة في محافظة لحج المجاورة لمدينة عدن، وتقدم المساعدات الغذائية لعدد من الأسر الفقيرة والمصابين بحالات سوء التغذية.

وقال سكان محليون في بلدة كرش بمحافظة لحج، والتي تشهد معارك عنيفة بين الحوثيين وقوات الحكومة الشرعية، إن حياة الأهالي تزداد سوءاً بسبب القتال وانعدام الغذاء وتردي الوضع المعيشي.
وأكد السكان أن الجوع قاد بعض الأهالي إلى اصطياد السحالي البرية وشويها بالنار ثم أكلها.
وفي مدينة تعز (جنوب)، والتي تشهد قتالا بلا توقف بين الحوثيين والمقاومة الشعبية، باتت كسرة الخبز أقصى ما يحلم به السكان.

وقال أحمد الشرعبي، وهو موظف فقد عمله، لـ "العربي الجديد"، "سيقتلنا الجوع حيثما عجزت القذائف والرصاص والحصار المفروض على المدينة من قبل الحوثيين".
وتظهر في بيوت وأزقة المدينة المحاصرة نُذر كارثة إنسانية حقيقية، وشبح مجاعة، وكشفت منظمات محلية مدنية عن مقتل نحو ألفين وجرح 12 ألف مواطن في مدينة تعز منذ أبريل/ نيسان 2015.
وقالت منظمة بناء المحلية إن مقتل عدد كبير من السكان يعني ارتفاع نسبة الأسر فاقدة المعيل، وأشارت إلى أن 70% من الأسر تحتاج لمساعدات عاجلة.

وحسب المنظمة، تعاني المدينة من الحصار والحرب علاوة على انقطاع الماء والكهرباء ومعاناة نحو 90% من الفقر والبطالة، مشيرة للمخاوف من انتشار الأمراض كحمى الضنك والملاريا، بالإضافة إلى سوء التغذية جراء ارتفاع أسعار السلع الغذائية وعدم وجود دخل ثابت لأبناء المدينة التي يتجاوز سكانها نحو 3 ملايين نسمة.
وأعرب برنامج الأغذية العالمي عن قلقه البالغ إزاء التدهور السريع للوضع الإنساني بتعز اليمنية، إذ يعاني السكان من الجوع فترات تمتد لأسابيع. حيث يواجه البرنامج صعوبات في الوصول إلى الأسر المتضررة بالمدينة التي مزقتها الحرب.

وصنف البرنامج التابع للأمم المتحدة، يونيو، عشر محافظات يمنية على أنها تمر بحالة طوارئ، في خطوة تسبق إعلانها مناطق مجاعة، وقال إن نحو نصف محافظات اليمن البالغ عددها 22 محافظة على شفا المجاعة بسبب الحرب الدائرة في البلاد فيما يحتاج أكثر من 13 مليون نسمة معونات غذائية.



المساهمون