"الكلمة العربية في المهجر" لألفرد خوري: أبعد من المرئي في الأدب

06 سبتمبر 2019
الصورة
(من اليمين: نُعيمة، عبد المسيح حداد، جبران، نسيب عريضة)
+ الخط -

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1960 منحت "جمعية أصدقاء الكتاب" في لبنان نصف جائزتها البالغة ألف ليرة لبنانية للكاتب ألفرد خوري، أستاذ الأدب العربي في الكلية الثانوية العامة في "الجامعة الأميركية" في بيروت، عن كتابه " الكلمة العربية في المهجر".

وحتى الآن، فإن من يرجع إلى هذا الكتاب بعد كل هذه السنين يجد أنه كان كتاباً فريداً من نوعه، فلم يكتف كما اعتادت غالبية مؤلفات من كتبوا عن أدباء المهجر من فلسطين وسورية ولبنان، بتقديم أدبهم والتعريف به، بل تناول، وهذا هو الأهم، الدور الأساسي الذي قاموا به في النهضة الأدبية التي عرفها الوطن العربي مع مطلع القرن العشرين، وخاصة النهضة الشعرية التي كانوا رموزاً لها، وكانوا مجدّدين حقيقيين للغة الشعر والنقد، وساهمت هذه مع أعمالهم المسرحية والقصصية، في فتح آفاق أوسع أمام أدباء العربية والنازعين إلى التجديد منهم بخاصة، في وقت كانت فيه الثقافة العربية لا تزال تثقلها على السطح قيود التقليدية المحدثة، وتشدّ وثاقها في العمق تقليدية عتيقة راسخة، وكلتاهما تعيق حركتها وانفتاحها على عالم القرن العشرين وتياراته الصاخبة شرقاً وغرباً.

جاء في تقديم المؤلِّف لكتابه أنه دراسة تتراوح بين الذاتية والموضوعية، يقول: "هي ذاتية لأنني اندغمتُ في الأدب المهجري اندغاماً كلياً، وأصغيتُ إلى كل حرف وجرس كل كلمة حتى أصبحت تجربة كل أديب منهم تجربتي الخاصة"، ويضيف وهي موضوعية "لأنني حسب ظني ما أرسلتُ رأياً وليد نزوة حادة أو حدب متمادٍ أو هوىً ملتهب، بل كنتُ أُعمل الرويّة ما أسعفني تمرسي في تدريس الأدب والتقييم والتعليل والمقارنة".

على أن ما يلفت النظر في هذه الدراسة أنها تضع نفسها في سياق محدّد، هو سياق "الكلمة العربية" في المهجر للتدليل كما يقول "على حيوية الكلمة العربية، ورسوخها في الأعماق الإنسانية" رابطاً ذلك بتاريخ الأدب العربي الذي يرى أنه "أثبت بما لا يقبل الشك ما اكتسبته الكلمة العربية من انطلاقها من صقع إلى صقع، وأكدّت لدارس الأدب العربي ليونتها وقابليتها للتعبير".

وانطلاقاً من هذا السياق، ومع أنه اعتنى بدراسة الرشاقة التعبيرية والحساسية الفنية، لم يهمل "الأمداء الإنسانية والأشواق الروحية التي انبثت على جنبات الأحرف" حسب تعبيره، لأن من التجني "أن يُنظر إلى الأثر الأدبي كجثة باردة هامدة" اعتقاداً منه "أن الخطر الأكبر في النقد ألّا يلحظ في الأدب إلا المحسوس المرئي، ويهمل غير المنظور الذي هو كنه الأدب وسره".

ومن هذا المنظور يرى منذ البداية في الأدب المهجري دفقة حياة جديدة، لأن الأدب الحيّ النامي هو في جدته وابتكاره، و"يشفق على الشاحذين سيوفهم والمسلطيها على كل نزعة للجديد" فيوضّح عبر دراسة النصوص الشعرية والقصصية والمسرحية والمقالة، فاعليتها وتأثيرها، وينصرف همّه إلى بحث نزعة التجديد بشكل عام.

ثم يخصّص في الفصل الثاني ما سماه "الوجد إلى لبنان"، أي الحنين إلى لبنان، وتتبعه في شعر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ورشيد أيوب وأبي ماضي والقروي، قبل أن ينتقل بتوسع في فصل تالٍ إلى دراسة أعمال جبران الشعرية والقصصية ومقالاته ومواكبه، وووضع فصلاً خاصاً تحت عنوان "أزمة الإنسان في المقالة الجبرانية"، ثم يخصّص فصلين لدراسة بعض أعمال نعيمة القصصية والمسرحية والنقدية، وخاصة كتابه "الغربال" الذي توزّعت مقالاته على عدد من الموضوعات تدور حول مفاهيم االنقد والأدب والشعر والمقاييس الأدبية، وحول آثار أدبية. وكان لها تأثير ملحوظ في كتابات المجددين في عدد من العواصم العربية.

وجاء اقتصار البحث والتوسع فيه على أدب جبران ونعيمة لأنهما كما يرى "مثّلا تلك الوثبة في القصة والمقالة والمسرحية والقصيدة والنقد" وقال إنه سيتناول في جزء تالٍ أدباء آخرين مثل أدب الريحاني وأبي ماضي ونسيب عريضة وغيرهم من أدباء أميركا الجنوبية.

ولعل كلمة "التجديد" هي كلمة السر التي رأى مؤلف هذا الكتاب أنها الكلمة الجامعة لخصائص هذا الأدب، أو هي الكلمة التي جعلته يرى في الأدب المهجري بمختلف تنوعاته "انبلاج فجر جديد في أفق الأدب العربي، وما كان قط أدب اجترار وتكرار" وهي ما دفعه إلى القول إن "هؤلاء الأدباء لم يواروا نفوسهم تحت ردمات المدر والتراب، بل خفقت قلوبهم بخفقان قلب الحياة الذي لم ينقطع" ورأى ببصيرة نافذة أنهم "في نزعتهم إلى الجديد نزعة إلى تحررنا ولهفة إلى انعتاقنا وشوقاً محرقاً إلى طبع الحياة بالطابع الخاص الذاتي".

ويمكن تلخيص رؤية المؤلف ومرماها في تركيزه على أدباء "الرابطة القلمية" التي تأسست في نيويورك في عام 1920، بعميدها جبران ومستشاره نعيمة، وبقية أعضائها، وقوله متيقناً أن الكلمة العربية في هذه الرابطة "اتخذت منسرباً جديداً لا عهد للعربية فيه"، وأنها "حمّلت اللفظة أكثر مما تحمل، ولقد عبّرت أكثر مما تعبر"، وفي إضافته التي تشير إلى استمرارية أنها في هذا المسرب الجديد "ابتعثت صرخات مدويّة لا يزال صداها يتماوج في آذاننا"، ونوّه بما حمله هذا المسرب من تأثير على صعيد المضمون، فصار الأدب رسالة "تحمل في طياتها السلام والمحبة، ولم يستمرّ ترويضات لغوية وألاعيب بيانية لا تؤدي غير العدمية والمحال".

أما أقلام كتّابه فهي "أقلام زحزحت العتمة المدثّر فيها الأدب العربي" وردّ هذا إلى "أنهم أصغوا إلى ما في أعماقهم من أصوات خفية، ولأنهم أحسّوا دبيب الحياة في ذواتهم... وهي المعاناة الإنسانية الحميمة التي تنبثق أدباً وفناً نابعة من الصميم من سويداء القلب، من أغوارها".

ولم تفت المؤلف الإشارة إلى السمة الجوهرية لهذه التجارب، أو الدافع وراء ظهورها تحت هذا المظهر التجديدي على الصعيدين؛ على صعيد الكلمة العربية وصعيد الحياة العربية، فكان منبع السمة المحرِّرة هو الطابع الذاتي الجديد لمدرستهم الأدبية، وبهذا أقامت هذه التي أعطاها لقب "مدرسة" في الأدب العربي "قواعد وأرست مقاييس قلما خطرت على بال أديب سابق لهم، مدرسة تتشرب عصارة الأدمغة البشرية، وتلقفت خلاصة الحضارة الغربية فتفاعلت في حضارتهم المشرقية، فكان لنا من هذا التمازج والتزاوج والتجاوب أدبٌ مشرقي في قلب الغرب.. لقد امتصوا الحضارة الغربية ولم تمتصهم، فجاء أدبهم في صميم التعبير العربي، إنما في ظلال جديدة، في إيماء جديد. تعبير يجري في قنوات جديدة، ينفعل الأدب الغربي في كيانهم المشرقي فيتّسم بسمتهم وينطبع بطابعهم".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب كتاب وحيد

باستثناء الخبر الوحيد الوارد في مجلة "الآداب" البيروتية (المجلد الثامن، العدد 12، 1960) ضمن صفحات النشاط الثقافي في الوطن العربي، عن كتاب "الكلمة العربية في المهجر" لألفرد خوري، الحاصل على ديبلومة في الدراسات الشرقية، وأستاذ الأدب العربي في الكلية الثانوية (الجامعة الأميركية في بيروت)، لا يرد ذكر للكتاب وصاحبه إلا في هامش كتاب عن إسلاميات جبران (2010) ومقالة موضوعها النقد الأدبي (2016)، وفي موقع "نيل وفرات" الإلكتروني الذي يعرض نسخة واحدة من هذا الكتاب للبيع.

يقول خبر مجلة "الآداب" أن "جمعية أصدقاء الكتاب بمناسبة أسبوع الكتاب العربي منحت جائزة الدراسة الأدبية، وقيمتها ألف ليرة لبنانية، تبرع بها الشاعر جورج صيدح، مناصفة للأستاذين أحمد أبوحاقة عن كتابه "أبوفراس الحمداني"، والأستاذ ألفرد خوري عن كتابه "الكلمة العربية في المهجر".

في ما عدا هذا لا يجد أي راغب في معرفة المزيد عن صاحب الكتاب خيطاً يقوده إليه أو إلى أي منجز آخر له، فيبدو وكأن الكتاب وصاحبه ضاعا في ضباب ماضي الأيام العربية كما ضاع الكثيرون قبله، وسيضيعون بعده.

المساهمون