"الكتابة": المسافة الطويلة بين الحجر والشاشة

30 مايو 2019
الصورة
من المعرض

في محاورة "فيدروس"، يروي سقراط أن الفرعون خاطب تحوت، إله الحكمة لدى قدماء المصريين، بعد اختراعه الكتابة، بأن تلاميذه بعد تعلّمها "سوف يتظاهرون بالمعرفة في أمور شتى، ولكنهم في حقيقة الأمر جهلة غافلون". اعتراض الفرعون الذي صادق عليه الفيلسوف اليوناني يُظهر وصاية أصحاب السلطة على انتشار المعرفة بين الناس. تركّزت المخاوف على أن النصوص المكتوبة بين أيدي المتعلّمين ستُنهي حفظهم لها ولن يستوعبوها كما كانوا حين يتخيلونها، وهي ذرائع تشبه إلى حد كبير مقاومة كثيرين للتحوّل الرقمي المتسارع الذي يُتوقّع أن يُضعف الذاكرة والمشاعر معاً.

استعراض لماض يتجاوز خمسة آلاف عام وتفكير في مستقبل غامض يتناولهما معرض "الكتابة.. اصنع علامتك الخاصة" الذي يتواصل في "المكتبة البريطانية" في لندن حتى 27 آب/أغسطس المقبل.

يضمّ المعرض 120 قطعة تمثّل أربعة وأربعين نظاماً كتابياً تعود إلى الأبجدية الأولى في بلاد ما بين النهرين ومصر واليونان والصين والهند والأميركتين، مروراً بمخطوطات العصور الوسطى والنصوص الأولى بعد اختراع الطباعة، وصولاً إلى خطوط الكمبيوتر واستخدام الأيقونات التعبيرية (الإيموجي).

يوضّح المنظّمون أن الكتابة على الأرجح لن تختفي أبداً، حتى مع تغيّر التقنيات الحديثة في تعريف معناها ووظائفها، في محاولة منهم لاستشراف مكانتها وقيمتها مستقبلاً، في إشارة إلى أن الكتابة هي أساساً فعل تفكير، وسيكون من الخطأ النظر إليها باعتبارها وضع كلمات على الورق، فهي ترتبط بنقل ما في الذهن.

يحتوي المعرض على مراحل تطور الكتابة الهيروغليفية القديمة المنحوتة على الحجر وألواح طينية تنتمي إلى حضارات العراق القديمة نُقشت عليها كلمات بالمسمارية تبيّن كيفية توزيع الشعير كأجر على الفلاحين، وأول السجلات التي تعرض للكتابة الصينية وترجع إلى سلالة شانغ بين عامي 1300 و1050 قبل الميلاد، وتشتمل على تمثيلات تصويرية ورمزية للأشياء تطوّرت لاحقاً لتصبح النظام الإيدوغرافي للكتابة.

تمّت استعارة هذه القطع من "المتحف البريطاني" و"متحف بيتري" في لندن، وضمنها تُعرض منحوتة تمثّل حضارة المايا القديمة من الحجر الجيري، يبلغ ارتفاعها أكثر من مترين، كما يقدّم لأول مرة لوح مصنوع من الشمع يعود إلى ألف وثمانمائة، ويحتوي الواجب المنزلي لأحد الطلبة في بلاد الإغريق.

من النقش على الصخر والطين والمعدن والشمع إلى الحبر، يقدّم المعرض نماذج لأقدم النصوص التي طبعت في أوروبا، في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ومنها نصوص طبعها ويليام كاكستون الذي جاء بالمطبعة من ألمانيا إلى إنكلترا، ومنها "حكايات كانتربري" لـ جيفري تشوسر (1343- 1400) والتي نُشرت عام 1476.

إلى جانب عريضة وقّعها أكثر من ستين ألف بنغالي عام 1905 رفضاً لمقترح تقدّمت به حكومة الاستعمار البريطاني يقضي بتقسيم بلادهم بين شرق مسلم وغرب هندوسي، وكتالوغ يتضمّن أعمالاً وضعها موتسارت بين عاميْ 1784 و1791، وسِجلٍ دوّن فيه ألكساندر فليمنغ اكتشافه للبنسلين عام 1928.

ماذا سيجلب المستقبل للكتابة؟ السؤال الذي يحاول الإجابة عنه عدد من الباحثين في حقول مختلفة، وتضمّنه كتيّب المعرض، حيث لفت بعضهم إلى ما سمّوه تحوّلات "زلزالية" تصيب الكلمة المكتوبة، لكن لا يزال هناك تمثّلات متعدّدة تجعلها باقية إلى زمن ليس بالقصير، مستشهدين بأعمال الفنان التونسي إل سيد الذي يمزج الكتابة بفن الشارع، أو بشاهدة قبر جبران خليل جبران التي كُتب عليها: "أنا على قيد الحياة مثلك".