"الكاره" البولنديّ: مرآة وقائع واضطرابات

14 اغسطس 2020
الصورة
يان كوماسا: تشويق وانتقاد لاجتماع بولنديّ (رولَن إكْكَنْروث/Getty)

 

من احتيالٍ جامعي يُكلِّفه طرداً من الدراسة، يبدأ توماس (ماسِيياج موسيالوفسكي)، رحلة التلاعب بالناس والأفكار والأقارب، ممتلئاً غضباً ورغبةً جامحة في الانتقام من المحيطين به. ذكاء قوي، وحنكة في ابتكار فرصٍ للانقضاض على آخرين يُراد تحطيمهم، وبراعة في كلامٍ يُغري المستمع إليه، مع أنّ معظم مستمعيه يُدركون ألاعيبه؛ ينصرف الشاب إلى تأكيد حضورٍ طاغٍ في مؤسّسة تمارس تلك الألاعيب القذرة في الصراعات الدائرة بين متنافسين، يبلغ تنافس بعضهم مع البعض الآخر حدود الإقصاء النفسي والاجتماعي، والماديّ أيضاً.

يُمكن وصف توماس بـ"الكاره"، بحسب العنوان الإنكليزي لفيلم بولنديّ تعرضه المنصّة الأميركية "نتفليكس" منذ 29 يوليو/ تموز 2020، بالتزامن مع بدء عروضه الفرنسية أيضاً، علماً أنّ عرضه في بولندا حاصلٌ في 6 مارس/ آذار الماضي. لكنّ الفرنسيين يضعون له عنواناً آخر (طعم الكراهية)، يقترب من الأصل، ويكشف جانباً أعمق في ذات الشاب الباحث عن موقع ومكانة، وعن منفذٍ لخلاصٍ أو لحضور. رغم هذا، يتمتّع "الكاره" ليان كوماسا (1981)، بميزة الواقعية البحتة، المستندة إلى قصّة حقيقية ستكون خلفية درامية متينة الصُنعة لحكاية توماس، المرتبط سينمائياً فقط بمن يتعرّض للاغتيال.

 

 

والاغتيال يهزّ "غدْانسك" (شمال البلد)، في 13 يناير/ كانون الثاني 2019، إذْ يحصد عُمدة المدينة بافل أداموفيكس أعداء كثيرين، ما يؤدّي إلى قتله، بسبب ليبراليته غير المُحتَملة، فيستفيد منها "الكاره" لجعل النصّ السينمائيّ مرآة تعكس وقائع بلدٍ واجتماعٍ ونزاعات وأحقاد، وتطرح تساؤلات عن دور وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة في بثّ السموم والأحقاد، وفي التلصّص على حيوات الأفراد، وفي التلاعب بكلّ شيء. فـ"الكاره" منفتح على مسارات متوازية، تلتقي في شخصية توماس، الذي يمتصّ حالاتٍ وانفعالات، قبل أن يصنع منها صُوراً لعيشٍ في راهنٍ غارقٍ بانشقاقاته وارتباكاته ومتاهاته وصراعاته المحتدمة بين أناسٍ وأفكارٍ وتوجّهات.

توماس جزء أساسي من لعبة المصالح والانتقامات. يُطرد من كلّيته لسرقته نصوصاً وأفكاراً في أحد فروضه، فيتحوّل إلى وحشٍ ينقضّ على الجميع، باستثناء قريبة له تُدعى غابرييلا (فانيسا ألكسندر)، مع أنّها لن توليه اهتماماً في البداية، كوالديها اللذين يسخران منه بعيداً عنه، من دون أنْ يعرف أحدٌ منهم أنّ هاتفاً له موضوعٌ في غرفة الطعام، كي يستمع إليهم. الغضب غير ظاهرٍ في ملمحٍ من ملامحه، لكنّه المحرّك الأساسيّ الذي يدفعه إلى ارتكاب أفعالٍ لن يندم عليها، رغم أنّها تبلغ مرحلة القتل، الذي يُحرِّض عليه تلبية لرغبات آخرين.

يمزج "الكاره" بين تشويق منفتح على السياسة والعلاقات والإعلام الافتراضي والاجتماع "الكاثوليكي" غير الموافق على مثليي الجنس مثلاً، وانتقادٍ مبطّن وحادّ لوقائع العيش في لحظات الارتباك السياسي والاجتماعي والثقافي، ومتانة الحبكة في متابعة أحوال توماس، وأحوال المحيطين به عبره.