"العمال" الجزائري: اليسار يبحث عن موقع في الانتخابات

03 ابريل 2017
الصورة
مناصرون لـ"العمال" خلال مؤتمر في نوفمبر 2012(فاروق بطيش/فرانس برس)
+ الخط -

يستعد حزب العمال، أكبر الأحزاب اليسارية في الجزائر، لخوض الانتخابات البرلمانية المقررة في الرابع من مايو/أيار المقبل، وسط تحديات سياسية، تمثلت بانتقادات مواقف الحزب المؤيدة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، برغم سياسة اقتصاد السوق التي تنتهجها الحكومة، بالإضافة إلى ظروف تنظيمية داخلية، بعدما كان الحزب تعرض إلى انشقاقات مدبرة.

وتقود لويزة حنون، أول امرأة ترشحت إلى الانتخابات الرئاسية في الوطن العربي في العام 1999، حزب العمال للمنافسة على مقاعد البرلمان الجزائري في انتخابات مايو المقبل. وكان الحزب حصل على 24 مقعداً في انتخابات العام 2012، من مجموع 462 مقعداً في البرلمان الجزائري. لكن انتخابات 2017 تعد حاسمة بالنسبة إلى الحزب السياسي الوحيد في الجزائر، الذي ما زال يتمسك بالمرجعية اليسارية والإيديولوجية الاشتراكية، ويضع قضايا العمال والفلاحين والعدالة الاجتماعية وتأميم الممتلكات العامة ورفض سياسات الخصخصة ومعاداة الإمبريالية على رأس الأولويات المطروحة في نقاشاته وأدبياته وبياناته. كما تعد كتلته البرلمانية الأكثر نشاطاً على صعيد اعتراض القوانين وتعديلها، والدفاع عن حقوق الفئات الاجتماعية المهمشة.

لكن جملة من مواقفه السياسية أخيراً، نقلت الحزب من صف المعارضة، وهو الذي شارك في مؤتمر سانت إيجيديو للمعارضة في روما في 1994 وقاطع انتخابات 1995 و1999 بسبب ما اعتبره تدخلاً للمؤسسة العسكرية إلى صف الأحزاب المقربة من السلطة، ما شوش كثيراً على صورة الحزب لدى الرأي العام، خصوصاً منذ مهاجمة الحزب لقوى المعارضة التي طالبت بالتغيير السياسي في 2012، واعتراضه على ثورات الربيع العربي، التي اعتبرها حزب العمال جزءاً من سياق المؤامرة الغربية على الدول العربية وأنها تستهدف الجزائر، وإعلان دعمه لسياسات بوتفليقة برغم سياسات تفكيك المؤسسات والشركات العامة ونهج الحكومة بالتوجه نحو اقتصاد السوق والرأسمالية، وخصخصة وبيع الشركات العامة وسياسات الموازنة وفرض الضرائب، وهو ما يتناقض كلياً مع أفكار اليسار، ويفسر تراجع مواقف حزب العمال خصوصاً، وتأثير التيار اليساري في المشهد السياسي في الجزائر بشكل عام.

ويعتبر المحلل السياسي، رضا شنوف أن "حزب العمال، الذي تقوده لويزة حنون، يعكس صورة وضع أحزاب اليسار في الجزائر، إذ تراجع وجوده السياسي في الميدان بشكل كبير، خصوصاً بعدما انقلب على مبادئ وأفكار اليسار المعروفة". ويوضح أن "تراجع اليسار ليس بالظاهرة التي تخص الجزائر، بل هي ظاهرة مست غالبية الدول التي تبنت النهج الاشتراكي، عدا دول أميركا الجنوبية التي بزغ نجمها من جديد لاعتبارات عدة. وفي الجزائر تراجع نجم اليسار مع تخلي البلاد عن الاشتراكية، عشية التحولات الدستورية والسياسية التي شهدتها بعد انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988. وأفل نجم غالبية الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها حزب الباكس، وريث الحزب الشيوعي التاريخي في الجزائر، الذي يعيش صراعاً ثنائياً، ولم يعد له وجود على الأرض". ويضيف أن "اليسار كفكرة، يحملها أشخاص أو مجموعات نخبوية، ما زال قائماً، لكن كتنظيم فاعل في الميدان، على غرار ما نشاهده في تونس والمغرب، لم يعد له أثر في الجزائر، على الأقل في المناسبات الكبرى، مثل الانتخابات أو القضايا والتحديات التي تعيشها البلاد، بالرغم من أن الحركة اليسارية متجذرة في الجزائر من أيام حزب نجم شمال أفريقيا قبل اندلاع ثورة الجزائر ضد الاستعمار في العام 1954. وشاهدنا كيف كان الفعل اليساري حاضرا بقوة في الحياة الثقافية والنقابية والطلابية في الجزائر، بل اليسار كان في حرب مفتوحة مع النظام في السبعينيات، خصوصاً في الجامعات والنقابات".

وتراجع الدور السياسي لليسار الجزائري في المشهد المحلي والإقليمي، مقارنة باستمرار تأثير اليسار في تونس أو المغرب، مرتبط بحسب المحلل السياسي، نصر الدين بن حديد بتأثر اليسار الجزائري بمجموعة من التحولات السياسية، أبرزها تراجع دور "الإيديولوجيا لصالح عامل المال". ويعتقد أن "اليسار يتحرك في الإعلام أكثر منه في الشارع. لم يعد له عمق شعبي، وهو تيار نخبوي، ويلعب على الترويج الفكري والتمركز داخل مراكز القرار، أكثر من الانخراط في العمق المجتمعي". وتظهر مقارنة بسيطة بين الدور الفاعل لليسار في تونس والمغرب، أن اليسار الجزائري لم يعد حقيقة ماثلة في المشهد السياسي.

ولا تنكر قيادات بارزة في أحزاب يسارية تراجع دور التيار في المشهد السياسي في الجزائر، وتقر أن صوت اليسار بات غائباً ومغيباً أكثر من أي وقت مضى. ويعتقد القيادي في حزب العمال الجزائري، جلول جودي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه "في الحقيقة، فإن الواقع يثبت أن اليسار في الجزائر غير موجود بقوة، ولم يبق سوى حزب العمال، وهذا يعود إلى عدة عوامل، منها الضغط المفروض على الأحزاب اليسارية من جهة، وتخلي تلك الأحزاب عن مبادئها وحتى عن النضال السياسي، من جهة ثانية، وهذا أمر خطير. وعند العودة إلى الخارطة السياسية، نطرح سؤال أين هي هذه الأحزاب"؟ ويعتبر جودي أن "العمال"، هو الحزب الوحيد الذي يحمل صوت اليسار في الجزائر. ويقول "نرى حزب العمال في الميدان النقابي والعمالي، وحتى في النشاط السياسي، في وقت كانوا يريدون دفنه في أواخر 2015 وبداية 2016"، في إشارة إلى الهجمة السياسية العنيفة التي تعرض لها الحزب من رجال مال وأعمال، وقيادات "جبهة التحرير الوطني" الحاكمة، وأمينها العام حينها، عمار سعداني، الذي طالب بحل "العمال"، على خلفية أن الدستور الجزائري يمنع وجود أحزاب ذات طابع فئوي.

وخلال أربعة استحقاقات انتخابية برلمانية في الجزائر، منذ انتخابات عام 1997، ظل حزب العمال يتوسط قائمة الأحزاب الفائزة بمقاعد في البرلمان، ولم تتح له ظروف وملابسات المشهد الانتخابي التقدم أكثر. ويراهن حزب العمال اليساري في الجزائر على انتخابات مايو/ أيار المقبل لاستعادة نفسه السياسي، وطرح مواقفه الاجتماعية الرافضة لسياسات تفكيك الاقتصاد الجزائري لصالح "الكارتل" المالي، لكن جهوداً كبيرة تنتظر قيادة الحزب لتصحيح صورته بعد المواقف المترددة سابقاً، والعودة إلى أفكار ومرجعيات الحزب اليسارية.