"العسكري السوداني" يعتزم تصفية شركات حكومية

04 يوليو 2019
الصورة
الفساد يهدد الاقتصاد السوداني (أشرف شاذلي/فرانس برس)


يعتزم المجلس العسكري السوداني تصفية بعض الشركات الحكومية، بعد قراره تشكيل لجنة لحصر وتصنيف ومراجعة الشركات التي تساهم فيها الدولة بأي نسبة، وتأتي هذه الخطوة عقب الحديث عن وجود شركات حكومية تحظى بامتيازات خاصة، إضافة إلى الفساد الذي استشرى داخلها، كما أنها ظلت عصية على المراجعة العامة، حسب مصادر لـ"العربي الجديد".

وذكرت تقارير المراجع العام (حكومي) عن وجود شركات حكومية غير مدرجة في سجل الشركات الحكومية، ما أثار العديد من الشبهات.

ولكن في المقابل، تتخوف الأوساط الاقتصادية من المخاطر السلبية المترتبة على تصفية الشركات الحكومية، ومنها إهدار المال العام أثناء عمليات البيع أو الخصخصة، في ظل حالة عدم الاستقرار التي يعيشها السودان وتشريد آلاف العمال.

ويشهد السودان احتجاجات شعبية ساخطة منذ عدة شهور أدت إلى إطاحة الرئيس السابق عمر البشير، وكان أحد الأسباب الرئيسية لحراك الشارع تفاقم عمليات الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

وقال رئيس لجنة حصر وتصنيف ومراجعة الشركات التي تساهم فيها الدولة، محمد أحمد الغالي، في تصريح صحافي، مؤخراً، إن أي شركة حكومية يثبت تورطها في فساد مالي أو مخالفات، ستتم مواجهتها بنيابة المال العام، مع توصية باستمرار الشركات التي تعمل بصورة جيدة على أن ترفع اللجنة تقريرها إلى رئيس اللجنة الاقتصادية في المجلس العسكري حولها.

ويطالب اقتصاديون بإعادة النظر في جميع الشركات الحكومية، لإيجاد معالجة للأثر الذي تركته من تشوه للاقتصاد السوداني، موضحين وجود شركات حكومية ظلت تتبع للنظام السابق من دون مراقبة أو مراجعة أثرت بصورة كبيرة على الاقتصاد وظلت تسيطر على السوق من دون عدالة.

وبينما يدعو كثيرون إلى تصفية كل الشركات الحكومية بالكامل، يرى البعض انتهاج أسلوب الخصخصة وتحويلها إلى شركات مساهمة عامة تطرح أسهمها للجمهور، وبالتالي تكون الحكومة بعيدة عنها.

وفي هذا السياق، أكد الاقتصادي محمد الناير، لـ"العربي الجديد"، ضرورة الوصول إلى صيغة مناسبة تعدل الصورة المقلوبة للشركات الحكومية، مضيفاً أنه إذا لم تتبع طريقة جديدة للمعالجة ستظل تشوهات الاقتصاد السوداني مستمرة، وسيبقى الاقتصاد يعاني من تعقيدات وعدم العدالة في المنافسة في السوق.

وقال الناير: "يجب ألا يتم الإبقاء على أي من المؤسسات الحكومية، إلا ذات الطبيعة الاستراتيجية وغيرها من الصناعات المهمة التي لا تتحمل أن تؤول إلى القطاع الخاص، هذا إذا أردنا إصلاحا اقتصاديا حقيقيا".

وفي المقابل، يرى الاقتصادي هيثم فتحي أهمية وجود الحكومة في الشركات لرقابتها، قائلاً إن دور الحكومة هو إبراز المساواة بين الشركات الخاصة.

وأضاف: أن الشركات الحكومية في معظمها خاسرة أو معطلة أو إنتاجها غير جيد، مشيرا إلى أن الخصخصة لا تعني غياب الدور الحكومي المتمثل بشكل أساسي في الرقابة والمتابعة، لأنه لا غنى عن هذا الدور في تلك المرحلة، لضمان نجاح المشروعات.

ويرهن فتحي الإصلاح الاقتصادي بطرح الشركات الخاسرة أو خصخصتها، لاستقطاب مستثمرين وزيادة الإنتاج.

وأكد إمكانية تصفية الشركات الخاسرة وطرح الناجحة للخصخصة مع الإبقاء على ذات الاستراتيجية، موضحا أن الخصخصة لا تعني بيع الشركات ولكن تصحيح مسار التجربة السابقة من خلال الشفافية في التعامل معها.

وأشار فتحي إلى أن الهدف الأساسي من مؤسسات الدولة هو حماية المال العام من الخسارة والسرقة، لكن هدف الشركات التجارية هو تحقيق عائد مناسب على رأس المال. وإذا لم تحقق الشركات الحكومية أهدافها فيجب أن تكون هناك محاسبة للإدارة بسبب ضياع الفرص لتحقيق العائد المناسب، وشدّد على ضرورة تحديد هدف مناسب وتوفير الحوافز الكافية لتحقيقه.

وذكرت تقارير حكومية وجود عشرات الشركات الحكومية لا يتوافر لديها ربط مالي، حسب الضوابط القانونية.

وقال رئيس اللجنة الفنية لحصر الشركات الحكومية أو المساهمة فيها، محمد أحمد الغالي، في تصريحات صحافية سابقة، إن أي شركة حكومية لا تستفيد منها الدولة سيتم التوصية بحذفها وشطبها من السجل التجاري، حتى لا ترهق وتستزف ميزانية الدولة.

وأضاف: سنواصل العمل في حصر وتصنيف الشركات الحكومية واسترداد المبالغ، حتى وإن كانت خارج البلاد، وذلك بالتنسيق مع الدول الشقيقة، من خلال الحصول منها على معلومات ومستندات بخصوص تلك الشركات والمبالغ واستردادها.

وكشفت المسجلة التجارية هند عبد الرحمن، في وقت سابق، عن وجود 177 شركة تساهم فيها أجهزة الدولة، غير موفقة لأوضاعها القانونية منذ تأسيسها الذي مضت عليه سنوات، وبموجب السلطات المخولة للمسجل التجاري وفقاً لأحكام المادة 238 من قانون الشركات لعام 1925، فقد تم حذفها من سجل الشركات، كما أن الشركات الحكومية العاملة حالياً بلغت 251 شركة.

وقالت إن هناك توجيهاً من قبل مجلس الوزراء، منذ مطلع عام 2013، يقضي بعدم تسجيل أي كيان تجاري (شركة أو اسم عمل) تساهم فيها الدولة إلا بعد الحصول على موافقة مجلس الوزراء، وأكدت أن هذا التوجيه قلل عدد الكيانات التجارية الجديدة التي تساهم فيها الدولة بنسبة كبيرة. و

نفت المسجلة التجارية المعلومات التي ترددت عن وجود شركات حكومية غير مسجلة، قائلة: لا توجد أية شركة حكومية غير مسجلة لدى المسجل التجاري، كما أن حملات المراجعة الميدانية أبرزت ضرورة إلزام جميع الشركات وفروع الشركات الأجنبية، بكتابة وصف مقر الشركة عند تقديم أي طلب لإجراء أية معاملة في السجل التجاري، حتى يكون المسجل على علم بمقار الشركات المسجلة لديه.

وعلى العكس، أثبتت الحملات التفتيشية التي قامت بها وزارة العدل مؤخرا عدم صحة حديث المسجل التجاري، إذ كشفت عن وجود شركات حكومية عديدة غير مدرجة في سجل الشركات الحكومية في وزارة المالية. وأشارت تقارير تلك الحملات إلى وجود 43 شركة حكومية لا يتوافر لديها ربط مالي، وبعضها يتعامل بملايين الدولارات خارج الأطر الرسمية.



ويرى الاقتصادي بابكر محمد توم، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن تصفية الشركات الحكومية سياسة معلنة كجزء من سياسات تحرير الاقتصاد وتشجيع القطاع الخاص، وهناك متابعة لها من قبل أجهزة الدولة لضمان إنفاذها، لأن وجود شركات حكومية منافسة للقطاع الخاص يؤدي إلى تشوهات في الاقتصاد وسوء استغلال للموارد وخرق لوحدة الموازنة، حيث إن هناك أموالاً يفترض توجيهها ضمن الإطار المتفق عليه.

وقال توم: لقد ثبت فعليا أن الشركات الحكومية ليس لها دور كاف لدعم الاقتصاد الوطني، وتسببت في حجب الموارد وقللت من التنافسية. كما أن تقارير المراجع العام لم تخلُ من الإشارة إلى عدم الشفافية في بعض هذه الشركات وعدم التقيد بالضوابط واللوائح، وأعتقد أن الدولة ماضية في سياساتها وملتزمة بإتاحة الفرص كاملة للقطاع الخاص في المجال التجاري والاقتصادي، بجانب تقليص دور هذه الشركات.

وكان البرلمان السوداني أشار إلى أن عدد الشركات الحكومية بلغ 117 شركة مجهولة الهوية بالنسبة للمالية والمراجع العام، منها 27 شركة تتبع للأجهزة الأمنية، (14 شركة للقوات المسلحة و4 للشرطة و9 لجهاز الأمن)، ورصد البرلمان شركات جديدة يتم تأسيسها على مستوى الولايات والمركز وأخرى خارج البلاد.

وانتقد البرلماني عبد الله مسار سياسة الحكومة، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن هناك تناقضاً واضحاً في توجهات الدولة، ففي الوقت الذي تتجه فيه إلى خصخصة المؤسسات والشركات الحكومية، نجدها تعمل يومياً على إنشاء شركات حكومية جديدة، والتي ظل عددها يتزايد سنويا حتى وصل إلى أكثر من 1500 شركة حكومية أو تساهم فيها الحكومة، وهي لا تخضع في غالبها للمراقبة والمراجعة ولا للإجراءات المحاسبية، هذا بخلاف أعداد غير معروفة من الشركات الحكومية في الخارج، وبعضها تمت تصفيته، والبعض الآخر انتقل إلى دول أخرى.

دلالات