"العربي الجديد" يستطلع قيادات الداخل الفلسطيني حول "قانون القومية"

26 يوليو 2018
الصورة
من مسيرة نظمها فلسطينيو الداخل في حيفا في يونيو(Getty)
تسعى قيادات الداخل الفلسطيني، بشتى الطرق، لمحاربة قانون القومية العنصري الذي سنّه الكنيست الإسرائيلي، أخيراً، والحد من تداعياته ومخاطره على فلسطينيي 1948، إذ إن القانون يستهدف وجودهم وهويتهم وأراضيهم ولغتهم، ويعمّق التمييز العنصري ضدهم. كما يستهدف الكل الفلسطيني، ويعزز الاستيطان ويقضي على أي حل تكون فيه القدس عاصمة فلسطين، بل يقضي على احتمالات قيام دولة فلسطينية.

وتطرق قياديون في الداخل الفلسطيني المحتل، في أحاديث منفصلة مع "العربي الجديد" إلى تداعيات قانون القومية وإلى سبل محاربته، سواء من خلال النضال المحلي الميداني والقانوني فضلاً عن التوجه إلى الهيئات الدولية.
يعتبر نائب رئيس الحركة الإسلامية (الجنوبية)، منصور عباس، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن "قانون القومية جاء لتكريس الحالة الإسرائيلية القائمة على سياسات الاحتلال والفصل العنصري والتمييز ضد الشعب الفلسطيني كله، وليس ضد المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل فحسب".
ويلفت إلى أن "القانون يحدد أن أرض فلسطين هي الوطن القومي للشعب اليهودي وله فقط حق تقرير المصير متجاهلاً حق شعبنا الفلسطيني في وطنه وحق تقرير المصير خاصته. يضاف إلى ذلك تثبيت حق اليهود بالهجرة إلى فلسطين ورفض حق اللاجئين بالعودة إلى بيوتهم ووطنهم وبلداتهم".

"سياق أوسع للقانون"

ويلفت عباس إلى أن "هذا القانون يأتي في سياق أوسع". ويوضح أن "الحكومة الإسرائيلية اليمينية ما زالت منذ سنوات تبادر إلى سنّ قوانين تعزز حالة الفصل العنصري في الداخل وحالة الاحتلال والاستيطان في الضفة بالإضافة للحصار الخانق لقطاع غزة". وبالنسبة إليه "المطلوب منا مراجعة شاملة للحالة برمتها، وأن ندرك أن صراعنا ليس مع قانون وإنما مع مؤسسة تنتج هذه القوانين الفاشية".
وحول مطالبة بعض الأصوات بانسحاب أعضاء الكنيست العرب من الكنيست الإسرائيلي، يرى عباس أن "مسألة المشاركة أو الانسحاب من الميدان البرلماني مطروحة أيضاً، ولكنها ليست بمعزل عن خيارات متكاملة لمواجهة هذا الزحف الفاشي والعنصري لإسرائيل على حقوق الشعب الفلسطيني".

 تمييز وإقصاء شامل
من جهته يتناول النائب يوسف جبارين، في حديث مع "العربي الجديد"، الجوانب القانونية بصفته رجل قانون، والتحركات الدولية بصفته رئيساً للجنة العلاقات الدولية في "القائمة المشتركة" .

يقول جبارين إنه "يوجد عشرات القوانين التمييزية في كتاب القوانين الإسرائيلي، لكن ما يميز قانون القومية اليهودية، أنه يأتي كقانون أساس أي له مكانة دستورية، ويحتوي على بنود تمييزية في مناحٍ أساسية في الحياة، وبالتالي هو يتميز بعمق التمييز الذي يشمله". ويلفت إلى أنه "يمكن أن نجد فيه أربعة مستويات من التمييز والإقصاء. المستوى الأول يرتبط بتعريف أن أرض إسرائيل الوطن القومي للشعب اليهودي وفيها يقرر مصيره السياسي الديني والثقافي، أي أن حق تقرير المصير لليهود فقط وبشكل حصري. وبالنسبة إليه فإن "هذا القانون يأتي كترجمة للمشروع السياسي اليميني الذي تحمله حكومة نتنياهو، ويتنكر لحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته ويتنكر لإجماع الشرعية الدولية على حل الدولتين".
وبرأيه "لم يكن ليأتي هذا البند لولا الضوء الأخضر الذي يحصل عليه نتنياهو من الإدارة الأميركية". ويعتبر أن "هذا البند ترجمة لعناصر مركزية في ما يسمى بصفقة القرن التي يتحدثون عن طرحها رسمياً قريباً، والتي تتنكر لحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة ذات سيادة، بالإضافة الى بند القدس الذي يتحدث عن القدس الكاملة والموحدة كعاصمة لإسرائيل".
ويوضح جبارين أن المستوى الثاني من التمييز والإقصاء ينطلق من أن هذا القانون يحمل رزمة من الترتيبات السائدة اليوم في مجال هجرة اليهود، وفي مجال رموز الدولة وأيام الراحة ومكانة ما يسمى يوم الاستقلال، ويعطي هذه الترتيبات صبغة دستورية ويعمق من التمييز فيها ضد المواطنين العرب في الداخل.
أما المستوى الثالث فهو المتعلق بمكانة اللغة العربية، التي هي لغة رسمية منذ الانتداب البريطاني 1922. ويأتي القانون ليقول إن العبرية هي لغة الدولة وللعربية مكانة خاصة، ومن غير الواضح ماذا تعني هذه المكانة. ووفقاً لجبارين فإن الخطر في الأمر أن هذه هي المرة الأولى التي يقوم القانون الإسرائيلي بمنح لغة رسمية للعبرية بدون مكانة مشابهة للعربية. لأول مرة بعد 100 عام، يتغير القانون السائد في البلاد بخصوص العربية والعبرية لمصلحة العبرية على حساب لغة الأرض ولغة أهل البلاد الأصليين.
أما البعد الرابع من التمييز والإقصاء فيظهر من خلال تشجيع توسيع السكن والاستيطان اليهودي، وهذا يسمح بشكل قانوني بإقامة بلدات وتجمعات ومشاريع عمرانية لليهود فقط. يقول جبارين "نرى التمييز ضد العرب في بلدات مثل العفولة وكفار فراديم وغيرهما، ويريدون الآن إعطاء صبغة شرعية لهذا النوع من التمييز والإقصاء".


رسم العلاقة من جديد 

ويرى جبارين أن "مجمل بنود هذا القانون يسعى لرسم العلاقة من جديد، أولاً مع الشعب الفلسطيني من خلال التنكر لمبدأ الدولتين وكأن هناك شعبا واحدا هو الشعب اليهودي، وهذا يتشابه مع تصريح وعد بلفور منذ عام 1917، والذي تحدث عن وطن قومي لليهود وتحدث عن غير اليهودي ضمن سياق الحقوق المدنية والدينية، وليس ضمن سياق الحقوق القومية كشعب يحق له تقرير المصير". أما الجانب الآخر فيتعلق "بإعادة رسم العلاقة بين الدولة والمواطنين العرب، بحيث تقول المؤسسة الإسرائيلية الآن بشكل واضح أن المواطنين العرب هم مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة وليس لهم حقوق متساوية، وأنه يمكنه تفضيل اليهود بشكل واضح وعلني"، مشيراً إلى أن "العنصرية الآن باتت علنية".

سبل تعرية إسرائيل ومواجهة القانون

وبرأي جبارين "قد تكون هذه الأزمة القانونية والأخلاقية لحكومة اليمين، هي فرصة لنا لتساعدنا على تعرية ادعاءات إسرائيل بالديمقراطية وحقوق الإنسان بالذات أمام الرأي العام الدولي". ويستدرك بالقول "أنا أذكر ذلك الدبلوماسي الأوروبي الذي التقيته، وعندما قرأ بنود قانون القومية قال إن في القانون نكهة أبرتهايد. هذا معناه أن العالم يتحدث بلغة المساواة والمواطنة المشتركة وحقوق المجموعات القومية وإسرائيل تسير في الاتجاه المعاكس".

وحول أدوات النضال، يقول جبارين "أمامنا على الصعيد الدولي إلى جانب العمل النضالي الميداني الذي تبادر له لجنة المتابعة، وإلى جانب النضال القانوني القضائي الذي تقوم عليه المؤسسات الحقوقية، عدة مستويات: مستوى السلك الدبلوماسي في داخل البلاد، ونحن بصدد التوجه لهذا السلك لشرح مخاطر هذا القانون، وبدوره ينقل ذلك إلى بلاده، خصوصاً الدول المؤثرة". كما يشير إلى أنه يوجد توافق فلسطيني على التوجه إلى الهيئة العامة للأمم المتحدة وطلب أن تفحص الهيئة القانونية هناك التناقض الواضح بين هذا القانون وبين ميثاق الأمم المتحدة 1945، وبالتالي محاسبة إسرائيل على خرقها ميثاق الأمم المتحدة الذي يشملها أيضاً. ويلفت إلى أنه كانت توجد تجربة في السابق بمعاقبة جنوب أفريقيا بسبب قوانين عنصرية، والآن نريد للهيئة العامة للأمم المتحدة أن تفحص فرض مثل هذه العقوبات على إسرائيل. ويشير إلى أن "الأمم المتحدة لديها مؤسسات أخرى مثل المندوب السامي لحقوق الإنسان ومثل المقرر الخاص لحقوق الأقليات القومية، الذي زار البلاد قبل نحو شهرين وقد التقيته وشرحت له مخاطر القانون. ونحن بصدد التوجه لباقي هيئات ومؤسسات الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس حقوق الانسان في جنيف".
ويتطرق جبارين لخطوات أخرى على الساحة الدولية، مختتماً بأن "مجمل هذه الجهود تهدف إلى كشف عمق هذه التشريعات التمييزية في إسرائيل، والمطالبة بإلغاء التشريع الأخير، ومنع إسرائيل من التطبيقات العملية لبنوده".

استهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية
في غضون ذلك، يتوقف رئيس حزب الوفاء والإصلاح، الشيخ حسام أبو ليل، في حديثه مع "العربي الجديد"، عند خطورة قانون القومية واصفاً إياه بأنه "قانون فصل عنصري بامتياز واستعلاء صهيوني بغيض، وهو الأخطر حتى الآن".

ويعتبر أبو ليل أن القانون "هو شرعنة لاضطهادنا والتمييز بحقنا كعرب، والمُمارس أصلاً على أرض الواقع منذ قيام المؤسسة الإسرائيلية، كما أنه بمثابة استهداف لوجودنا على أرضنا. فنحن في نظر القانون غرباء وأعداء، فيصير دمنا مباحا وبيوتنا مستباحة وأرضنا وكل شيء يتعلق بنا". ويضيف "نحن الآن لا حماية لنا. ويحط القانون من مكانة لغتنا العربية كجزء من هويتنا. وفيه شرعنة للنهب والسلب لمصلحة الاستيطان في كل أرضنا الفلسطينية، وضرب لكل القرارات الدولية خصوصاً في ما يتعلق بقضية القدس، فضلاً عن نسفه لمشروع حل الدولتين". وفيما يشير إلى أن القانون "هو إعلان عن موت أوسلو، وأنه أنهى وأغلق الباب أمام أي طرح لإنهاء الاحتلال"، يتساءل "ماذا بقي لوجود أعضاء الكنيست العرب في هذا البرلمان العنصري؟". ووفقا لأبو ليل فإنه إزاء هذا الوضع "لا بد من وحدة المواقف والعمل الجماعي وترسيخ الهوية والانتماء الوطني وتعزيز مكانة لغتنا عمليا في حياتنا". ويضيف "لا ننسى أن المواطن الفلسطيني المقدسي، والبيوت والأحياء العربية المقدسية، صاروا أكثر استهدافاً لتغيير معالم مدينة القدس وهويتها العربية الفلسطينية".
وحول إسقاطات القانون على مدينة القدس بشكل خاص، يقول أبو ليل " في موضوع القدس، خصوصاً بعد إعلان نقل السفارة الأميركية والاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيلية، وفي أجواء ما يسمى صفقة القرن، يأتي هذا القانون ليستهدف مدينة القدس كاملة، ويقتل إمكانية الحل على أساس أن القدس عاصمة فلسطينية. كذلك، فإن القانون يستهدف كل المقدسات الإسلامية والمسيحية، لإلغاء الوصاية الأردنية وإلغاء إدارة الأوقاف على المسجد الأقصى المبارك. ونتيجة لذلك قد يحدث هدم للمسجد الأقصى، ورأينا أخيراً، سقوط حجر من حائط البراق. هذا يدل على أن هنالك استهدافا من خلال الحفريات، وهنالك انتظارا وكأن أية هزة أرضية قد تؤدي إلى انهيار المسجد الأقصى، ليبدو الأمر وكأنه بفعل الهزات، لكنه في الواقع بفعل الإهمال والمخططات والحفريات الإسرائيلية". ويلفت إلى أن هناك تعمدا لاستهداف المسجد الأقصى في ظل هذا القانون وفي ظل نقل السفارة واعتبار القدس كعاصمة إسرائيلية.
وبرأيه "يوجد تهميش واضح لكل المجتمع الدولي ولكل الدول العربية خصوصاً الأردن، فضلاً عن تهميش للسلطة الفلسطينية". ويقول "نحن الآن على مفترق خطير جداً، ورأينا الاقتحامات الكبيرة للمسجد الأقصى المبارك في الأيام الماضية، والتي تحدث لأول مرة بهذا الحجم من قبل المستوطنين وبهذه الصورة. وكان هنالك منع مصلين من دخول الحرم ونُفذت اعتقالات. هذا الوضع يحتاج منا الى التنبّه ورص الصفوف".

التجمع: قانون القومية "نقطة تحوّل"

من جانبه، يرى التجمع الوطني الديمقراطي، بحسب بيان صادر عنه، أن قانون القوميّة يمثل "نقطة تحوّل في سياسة الدولة العبريّة تجاه الفلسطينيين عامّة وتجاهنا في الداخل خاصّة، تعبر فيه إسرائيل عن حسمها على المستوى "الدستوري" لكل ما يتعلق بخطاب التوازن المزعوم، بين يهوديتها وديمقراطيتها، ويكرّس الطبيعة الكولونيالية والعنصرية، حيث تغلّب يهوديّة الدولة التي تعبّر عن حق تقرير مصير حصري لليهود داخل إطار هذه الدولة، كما تعبّر فيه عن حسمها لمجمل قضايا الصراع من القدس والاستيطان وحق العودة، خصوصاً أنّ القانون لا يحدد حدوداً جغرافية لسريان القانون فيه، فهو يشمل الجولان والقدس المحتلّين، ممّا يؤكد الطبيعة الكولونياليّة للدولة".
ومما جاء في بيان التجمع أيضاً: "أنّ وقوف المشروع الصهيوني عارياً أمامنا على شكل قانون، يحتّم علينا ليس فقط رفضه واعتباره غير شرعيّ كقانون، بل يحتّم علينا أيضاً بلورة رؤية استراتيجيّة بديلة له، فنحن عندما نرفض هذا القانون لا نرفض ممارسة عينيّة، بل نرفض حزمة من القيم والرؤى تشكّل بطاقة هويّة لهذا الكيان، يجابَه فقط برؤية شاملة بديلة لكلّ الشعب الفلسطيني".
وفي السياق، يؤكد التجمع أن "من يطالب بالاعتراف به كشعب، عليه أن يتصرّف كشعب، وأن الشعوب لا تستطيع مجابهة منعطفاتها وقضاياها المصيريّة وفق قاعدة الحدّ الأدنى التوافقي، بل وفق قاعدة الإجماع الوطني الصلب، وأنّه فقط بإجماع كهذا يمكننا مجابهة التحدّي الشمولي الذي تفرضه الدولة، وأن الفلسطينيين في الداخل، وكخطوة أولى، مجبرون على تأسيس وثيقة سياسية شاملة وجامعة تعبر عن وفاق كامل حول مشروع سياسي بديل، يطرحونه مقابل المشروع الصهيوني الذي يطرحه هذا القانون، وأن هذه المهمّة التاريخية والمصيريّة تبدأ من وثيقة شاملة نعبر فيها عن رؤيتنا الصريحة لهذا الكيان ككيان استعماري عنصري، وعن رفضنا الصريح لأيّ تعريف للدولة على أساس يهوديّتها، كما عن رفضنا الصريح لأي تعريف لحقّ تقرير المصير لليهود في بلادنا -أو لأيّ كان- بشكل يتماشى مع مبدأ العنصريّة أو مع الاستعمار الاستيطاني، وفيها نعرض أيضاً رؤيتنا لكيان بديل يضمن لنا العدالة ويعترف بمكانتنا التاريخيّة والسياسيّة كأصحاب وطن، ويؤسّس على هذا الأساس لمبدأ الشراكة المتساوية".

تعليق: