"العربي الجديد" في المنطقة منزوعة السلاح شمال سورية: نزوح أو انتظار الموت

05 مايو 2019
الصورة
تقديرات بنزوح 42 ألف مدني (محمد عبد الله/ الأناضول)
لم تكد تنتهي اجتماعات الجولة الـ12 من اجتماعات أستانة الخاصة بمنطقة خفض التصعيد والتي تضم محافظة إدلب شمال سورية وجزءاً من ريف محافظة حماة الشمالي، أواخر الأسبوع الماضي، حتى بدأ النظام وروسيا تصعيداً غير مسبوق على المنطقة منزوعة السلاح الواقعة ضمن منطقة خفض التصعيد، وسط استهداف متعمد للمدنيين، ما رفع عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا طوال الأيام الماضية.
وتخضع المنطقة لما يُعرف بـ"اتفاق المنطقة منزوعة السلاح"، وهو اتفاق توصّل إليه الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، في منتجع سوتشي الساحلي في سبتمبر/ أيلول الماضي. ويقضي الاتفاق بإنشاء منطقة منزوعة تماماً من الأسلحة الثقيلة بعرض 15 كيلومتراً على امتداد نقاط المراقبة الروسية والتركية بين مناطق النظام والمعارضة، أملاً بأن يتم تجنيب هذه المنطقة المكتظّة بالمدنيين قصف الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي والمروحي.
لكن هذا الاتفاق انهار عملياً، من دون أن يعلن أي طرف ذلك رسمياً، نتيجة استمرار القصف بكل أنواع الأسلحة على "المنطقة منزوعة السلاح"، والتي زارها "العربي الجديد" وتجوّل فيها، راصدة أحوال المدنيين، سواء ممن اختاروا البقاء رغم القصف أو قرروا النزوح.


عند الدخول من الحدود التركية باتجاه الأراضي السورية والاطلاع على القرى والبلدات الحدودية يلاحظ المار هناك أنّه لا توجد أي آثار لحملة عسكرية أو قصف، فالحياة في هذا الجزء من المنطقة تبدو طبيعية. ويعيش المدنيون يوماً روتينياً لا يتخلّله ما يعكّر الأجواء.
غير أن الظن بأن معظم محافظة إدلب وريف حماة تعيش هذه الأجواء خاطئ تماماً، إذ بمجرد الاتجاه جنوباً تظهر تباعاً معالم القصف والمعارك، إذ تتركّز حملة النظام العسكرية بشكلٍ رئيس على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي والشرقي والغربي المكتظ بالمدنيين.
خلال التنقّل بين قرى ريف إدلب الجنوبي، يمكن ملاحظة سحابات دخّان تتصاعد من القرى والبلدات المحيطة بشكلٍ مستمر. وما يلبث الدخان أن يندثر من سماء قريةٍ ما حتى يظهر في قرية أخرى.

قصف هستيري

بالنسبة إلى السائق أبو أحمد (اسم مستعار)، فإن الأمر بات روتينياً منذ أسابيع. يكتفي بالإشارة بأصابعه إلى المناطق التي يتصاعد منها الدخان وهو يقول: "هاد القصف جاي من ناح (جهة) القرية الفلانية.. فيها ناس كتير الله يحمي العالم".
مع التوجه نحو الجنوب حيث يشتد القصف، كان يمكن ملاحظة انعدام مرور السيارات على عكس الطريق المتّجه من الجنوب إلى الشمال المليء بالسيارات التي تحمل على متنها عائلات نازحة نقلت معها حاجيات منزلية ضرورية وهي تحاول الهروب نحو إحدى القرى الملاصقة للحدود التركية، والتي لا تشهد أي نوع من القصف، علّ أفرادها ينعمون بنوعٍ من الهدوء بعيداً عن القصف.
وطاول القصف المكثف في الأيام الماضية معظم المناطق في ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي وريف حماة الملاصق له ليواجه كل من يقرر البقاء خطر الموت في أي لحظة. وتركز القصف أمس في بلدات الهبيط وسفوهن والتوبة، وأسفر عن مقتل خمسة مدنيين على الأقل بينهم طفلة وامرأتان وعدد من الجرحى، فيما أسفر القصف عن جرحى في بلدة كفرعويد. كما طاول القصف أيضاً قرى وبلدات إحسم وأبديتا بجبل الزاوية، وكفرسجنة وأرنبة في ريف إدلب الجنوبي، وبلدة كفرنبودة في ريف حماة الشمالي. كذلك تعرضت بلدة محمبل التابعة لناحية جسر الشغور لقصف من الطيران الحربي الروسي، ما أدى إلى مقتل طفلين.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا بوقوع بأكثر من 75 غارة أمس. ومع كثافة القصف واتساعه يعاني الناشطون من صعوبات كبيرة في توثيق المجازر التي يقوم بها النظام السوري والطيران الروسي، فيما أعلن الدفاع المدني السوري التابع للمعارضة أن 22 مدنياً قتلوا وأصيب أكثر من 60 في غارات جوية وقصف منذ صباح أول من أمس الجمعة.
وبحسب مصدر طبي في معرة النعمان، فإن المنطقة منزوعة السلاح شهدت مقتل أكثر من مئتي مدني وإصابة خمسمائة آخرين منذ بدء حملة القصف المدفعي والجوي لقوات النظام السوري وروسیا في مطلع مارس/ آذار الماضي.

مدن أشباح

وتحولت العديد من البلدات والمدن، بينها خان شيخون ومعرة النعمان والقرى المحيطة بهما بريف إدلب الجنوبي، إضافةً إلى اللطامنة وكفر زيتا في ريف حماة الشمالي، إلى مناطق شبه خالية من المدنيين باستثناء قلة ممن اختاروا البقاء.
محمود مرعي، أحد المدنيين الذين كانوا يمرّون في شوارع خان شيخون. عند سؤاله عن سبب بقائه، قال وهو يكمل مشيه دون أن يتوقّف: "جربت النزوح إلى الخيم أربع مرّات ولم أعد أرغب في تكرار التجربة، دعوني أموت في منزلي بكرامة".
من جهته، قال شخص عرّف عن نفسه باسم أبو عامر، وهو أحد الذين يرفضون الخروج من بلدة الهبيط، إنه منذ الجمعة وطوال أمس السبت لم يهدأ القصف بالتناوب بين مدفعية النظام وطيران النظام والطيران الروسي. وأصبحت الهبيط أشبه ببلدة أشباح، إذ لا أحد يسير في الطريق، المحال التجارية مقفلة فلا زبائن ولا باعة، الأراضي الزراعية خالية من العمال والمزارعين وحل مكانهم عمود من الدخان تصاعد من إحدى الأراضي نتيجة قذيفة أصابت مستودعاً فيها وأحدثت حريقاً.
وروى أبو عامر فصلاً من معاناتهم قائلاً "مع الصباح بدأت المدفعية بالقصف رافقتها راجمات الصواريخ، استهدفت كل شيء، بقينا داخل المنزل، لا يوجد لا ملاجئ ولا خنادق نحتمي بها، لم يكد يتوقف القصف المدفعي، حتى جاءت مروحية وبدأت بإلقاء البراميل المتفجرة، ألقت خمسة براميل دفعة واحدة، وبعد مغادرتها المكان جاءت طائرة حربية وألقت عدة صواريخ". وأضاف "النتيجة كانت مقتل ثلاثة مدنيين من أبناء البلدة وإصابة آخرين، نقلوا على الفور من قبل الدفاع المدني الذي يتحرك عناصره تحت النار والقذائف، كل مكان يحترق، الناس بدأت بالمغادرة، الأطفال لم يعودوا يتحملون".
بدوره قال الشاب أحمد جلول من سكّان بلدة الهبيط "بلدة الهبيط تحولت لبلدة أشباح وهي شبه خالية، ومن بقوا يقيمون في المغاور التي حفروها في الصخور البيضاء بمحيط البلدة بأراضيهم الزراعية، والبعض الآخر غادروا لمعرة النعمان حيث يقيم أقارب لهم، في البلدة سابقاً".
وأضاف جلول أنّه مع اشتداد حدة القصف قدم ابن أخي للبلدة بغرض إخراج أهله من الهبيط واضطر لقطع المسافة بين مدينة معرة النعمان وبلدة الهبيط وعجلات الحافلة التي يستقلها متضررة، لكن تحت القصف والقنابل لم يكن بمقدوره سوى فعل ذلك.
ويصف الشاب وضع الهبيط حالياً بـ"المأساوي" بكل معنى الكلمة، قائلاً: "إن المنازل معظمها متضرّرة أو منهارة تماماً". وروى كيف "تعرّض منزل جيرانه للقصف ولكنّهم نجوا بسبب اختبائهم في قبو المنزل تحت الأرض حيث أصابت القذائف الطابق العلوي". ولفت إلى أنهم "بقوا في المنزل حتى الصباح قبل أن يتمكنوا من مغادرة البلدة، إذ لم يكن بمقدورهم التحرك أبداً ليلًا كون القصف مستمراً والطريق خطرة جداً، إذ تستهدف المروحيات أي ضوء يظهر في الليل".
ووفقاً لجلول فإنه بقي في الهبيط بعض الرجال من أجل الدفاع عن البلدة تحسّباً من هجوم لقوات النظام السوري في حال رغبوا في التقدّم، وذلك على الرغم من عدم التكافؤ في العدد والعتاد بين الطرفين. وتابع أنه في هذه الفترة، فإن معظم قرى وبلدات ريف حماة الشمالي تحت النار والقصف عليها لا يتوقّف منذ أيام. مع العلم أن النظام السوري يرسل منذ فترة تعزيزات عسكرية باتجاه محيط إدلب، بما في ذلك وصول دبابات وناقلات جند مدرعة ومئات من الجنود أمس، وسط معلومات عن نية قوات النظام شن هجوم في المنطقة.

أوضاع مأساوية للنازحين

من جهته، تحدث الناشط أدهم الحسن، لـ"العربي الجديد"، عن حالة النزوح من المنطقة جراء القصف حيث يفر الناس من الموت، متجهين إلى ريف إدلب الشمالي والمناطق القريبة من الحدود السورية التركية. إلا أن هناك من لا يستطيع حتى النزوح لعدم امتلاكه سيارة لنقل متاعه وحاجياته، فضلًا عن عدم امتلاكه المال لاستئجار سيارة تقله نحو الحدود السورية التركية البعيدة عن ريف إدلب الجنوبي.
ويواجه النازحون وضعاً صعباً، لم يعد هناك أي متّسع في المخيّمات لاستيعاب المدنيين، ما أجبر النازحين الجدد على الإقامة على منصّفات الطرق وفي الحدائق العامة والبساتين في العراء، وسط تقديرات تشير إلى مغادرة 42 ألف مدني خلال الأيام الثمانية الماضية، منازلهم في المحافظة.
وفي السياق، نقلت وكالة الأناضول أمس عن أحد النازحين ويدعى حسين ديبيس، قوله إنه واجه صعوبات كبيرة أثناء النزوح، جراء هجمات النظام المكثفة على المنطقة. وأردف: "رمضان اقترب، وليس بحوزتنا شيء، حتى الخيام لا نجدها". من جهتها، قالت حميدة أم خالد، النازحة رفقة أبنائها، إن جميع سكان قريتها اضطروا إلى المغادرة، بسبب القصف المكثف. وتساءلت عن كيفية إطعام أبنائها، وعن العثور على مكان ليرقدوا فيه، خلال شهر رمضان.