"العربي الجديد" في خان شيخون: شوارع خاوية وحياة متوقفة

حسام عبد الرحيم
عمار الحلبي
21 فبراير 2019
+ الخط -
لا يمكن للمار في شوارع خان شيخون الواقعة في ريف محافظة إدلب الجنوبي، أن يرى أي مؤشرات على حياة يومية طبيعية كما في أي منطقة أخرى، فلا صوت في المدينة يعلو على صوت إطلاق القذيفة، ثم صفيرها في الهواء، وسقوطها في مكان قريب، والارتجاج العنيف الذي يخلّفه سقوط تلك القذيفة أو ذاك الصاروخ الذي يستهدف المدينة. وخلال أيام من القصف المتواصل على خان شيخون، تغيّرت ملامح المدينة وفَقَدت مظاهر الحياة فيها، فشهدت المدينة المشمولة باتفاق سوتشي والواقعة ضمن "المناطق منزوعة السلاح" في محافظة إدلب، خلال الأيام الأخيرة، تصعيداً جديداً من قبل النظام السوري، تمثّل بالعودة لقصفها مدفعياً وصاروخياً بشكلٍ عنيف، ما أسفر عن سقوط 18 قتيلاً، جميعهم من المدنيين، بينهم عدّة أطفال، وفقاً لما وثّقت "العربي الجديد" بالأسماء، إضافة إلى 80 جريحاً من المدنيين. ولم يستخدم النظام الطيران الحربي في استهداف المدينة، إذ يبدو أن اتفاق سوتشي لا يعطيه الضوء الأخضر لخرق الاتفاق بالطيران، ولكن الأطراف الضامنة لهذا الاتفاق لم تحرّك ساكناً إزاء معاناة المدنيين، الذين أُجبروا تحت وطأة الهجمة الشرسة الحالية التي تشنّها قوات النظام إلى النزوح، ليبقى في المدينة نحو ثلث سكانها الذين كان يقدر عددهم بنحو 120 ألفاً بين سكّانها الأصليين والنازحين إليها.

عند مدخل المدينة، وبمجرّد الوصول إلى محيطها، يصبح بالإمكان مشاهدة مدنيين مع أمتعتهم الشخصية يحاولون المغادرة نحو منطقة أكثر أماناً. في المقابل يتمسك من قرر البقاء في المدينة، وعددهم يُقدّر بنحو 40 ألفاً، بعدم النزوح، فبالنسبة إليهم لن تكون المخيمات حلاً. الناشط عبدالله الكريم، هو أحد الذين لا يزالون في خان شيخون، يقول في حديث مع "العربي الجديد"، إن القصف أدى خلال الأيام الأربعة الماضية إلى نزوح نحو 80 ألفاً من المدنيين، موضحاً أن معظم النازحين توجّهوا بشكلٍ رئيسي إلى مدينة عفرين الواقعة في ريف حلب الشمالي، إضافةً إلى بلدات وقرى جبل الزاوية، وعلى رأسها مدينة كفرنبل، ومدينة إدلب المكتظّة بالسكان والمهجرين والنازحين.



وفيما تتفاوت درجة الخطورة بين أحياء المدينة، على اعتبار أن الجزء الغربي منها لم يتعرض للقصف بشكلٍ كثيف، قرر بعض المدنيين الذين يقيمون في الأجزاء الأخرى من المدينة النزوح إلى الأحياء الغربية. وتفرض القذائف والصواريخ المتساقطة على المدينة، ما يشبه حظر التجوّل، إذ يسقط كل ساعة حوالي 25 صاروخاً وقذيفة هاون، في ظل غياب الطيران كلياً عن المشهد الميداني، وفقاً للناشط عبدالله الكريم. كما أن الأسواق والمحال التجارية أغلقت أبوابها منذ أيام بشكلٍ نهائي، إذ يلزم المدنيون منازلهم معتمدين في طعامهم على ما تبقى لديهم من مؤونة، فيما يستمر فرن واحد في المدينة بإنتاج الخبز، ليكون الرغيف الوجه الوحيد للحياة في مدينة خلت شوارعها من المدنيين، إلى جانب محل وحيد لا يزال يفتح أبوابه ولكن بشكلٍ جزئي.
عمر، أحد السكان الذين لا يزالون موجودين في المدينة، يقول في حديث مع "العربي الجديد": "لا نستطيع التنبؤ بتوقيت وقوع القصف الذي يبدأ منذ صلاة الفجر وعلى وتيرة مكثفة". لدى عمر وزوجته ثلاثة أطفال، وهو لم يغادر المدينة، قائلاً إنّه ليس جاهزاً إطلاقاً للعيش في الخيم من جديد وتكرار مأساة حدثت مع أطفاله سابقاً. ويضيف: "خلال الهجمة التي شنّها النظام على خان شيخون عندما قصف المدينة بالسلاح الكيميائي في 2017 وقتل 100 مدني، اضطررتُ مع عائلتي للنزوح من المدينة، ولكنني تعرّضت للكثير من المشاكل خلال النزوح، إذ مرض ابني بسبب سوء أحوال المخيّم حينها، كما عشنا أياماً قاسية داخل المخيم"، مؤكداً أنّه على استعداد للموت في منزله على أن ينزح مجدداً. وعن الإجراءات الوقائية التي يتخذها، يوضح عمر أنّه كمعظم المدنيين الذين بقوا في المنطقة، لا يملك إلا أن يحد من تحركه وألا يغادر المنزل إلا للضرورة القصوى.



ولا يملك المدنيون الذين بقوا داخل خان شيخون سوى خيار الاختباء في منازلهم على أمل أن يسلموا من القذائف التي قد تودي بحياتهم، على غرار ما جرى مع عائلة مازن العنداني الذي بترت ساقه وفَقَد أولاده الثلاثة وزوجته في القصف، إذ لم يستطع النزوح مع أسرته بسبب إصابته السابقة بالشلل. وكانت لخان شيخون الحصة الأكبر من ضحايا القصف المستمر على ريف إدلب الجنوبي، إذ سقط فيها 18 قتيلاً و80 جريحاً خلال الأيام الأخيرة، حالات بعضهم حرجة، بالإضافة إلى حالات فقدان أطراف وحروق، لأن بعض الصواريخ التي يقصف النظام المدينة بها لم يسبق للمدنيين رؤيتها، فهي تُستخدم لأول مرة، ويصفها المدنيون بالصواريخ المضيئة الحارقة المنفجرة، وقد تسبّبت بمقتل شابة وتفحّم جثتها.

من الناحية الصحية، تغلق مستشفيات خان شيخون أبوابها منذ بدء القصف، إذ استهدفها النظام أولاً، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وهرب الأطباء منها، فيما بقي الدفاع المدني في حالة استنفار لإنقاذ ومساعدة المدنيين، بينما يتم نقل الجرحى إلى مستشفيات المناطق المجاورة، مثل كفريا والفوعة وكفرنبل وجبل الزاوية ومدينة إدلب.

ولم يستهدف القصف إلا المدنيين، على الرغم من تذرّع النظام باستهداف الفصائل المقاتلة. فالمنطقة تحتوي مخفراً واحداً لـ"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة)، ولم يتعرض للقصف، في المقابل لا يوجد أي تمركز عسكري داخل المدينة لا لـ"هيئة تحرير الشام" ولا لغيرها. وبحسب المعلومات التي جمعتها "العربي الجديد" من المنطقة، فهناك وجود لـ"جيش النصر" في مدينة كفر زيتا الواقعة في ريف حماة الشمالي، جنوب خان شيخون، كما يتمركز "جيش العزة" في مدينة اللطامنة. ويحاول الفصيلان التابعان للمعارضة السورية، أن يتصدّيا لمحاولات تغلغل يقوم بها النظام السوري بين فترة وأخرى، كما أنّهما يحاولان الرد على قصف النظام بقصفٍ مماثل كنوعٍ من الردع، إلا أنّه لا يبدو أنه مجدٍ حتى الآن، خصوصاً أن ردة فعل الفصائل الناشطة في الشمال السوري اقتصرت على مناوشات خجولة لـ"جيش العزة" و"جيش النصر" التابعين لـ"الجبهة الوطنية للتحرير".

ذات صلة

الصورة

مجتمع

لا تنتهي المآسي التي يعيشها النازحون في مخيمات الشمال السوري، فقد انجلت العاصفة المطرية وظهر من بعدها جرح كبير وفاجعة حلّت على سكّان الخيام، إنهم عاجزون ضعفاء بلا حول ولا قوة لمواجهة المياه الباردة ودرجات الحرارة المتجمدة في خيامهم الرقيقة الممزقة ..
الصورة

مجتمع

 تضيق الأرض بمئات آلاف النازحين المنتشرين في مخيمات عشوائية، بعد أن هجّرتهم الأعمال العسكرية للقوات النظامية، إلى شمال غرب سورية، فالخيام الرثة لم تستطع أن تحمي الأطفال والنساء من هطولات الأمطار الغزيرة..
الصورة
"الحاج يونس" يحفظ إرث المأكولات الشعبية في القامشلي

منوعات وميديا

منذ نحو 90 عاماً ومطعم "الحاج يونس" يقدم مأكولاته الشعبية في مدينة القامشلي، شمالي شرق سورية، إذ ترافق افتتاح المطعم مع تأسيس مدينة القامشلي عام 1930، ودشنه آرام كيششيان.

الصورة

اقتصاد

غادة العابو أو "أم صبحي"، كما ترغب في مناداتها حتى تبقى تتذكر ابنها صبحي الذي اختطفه النظام السوري وأخفاه بعد استصداره جواز سفر واستعداده للرحيل عن موطنه، ليختفي أثره تماماً ولم تعد أمه وأسرته تعلمان عنه شيئاً.

المساهمون