"العربي الجديد" داخل الموصل في ساعات القتال الأخيرة

"العربي الجديد" داخل الموصل عشية التحرير: مدينة مهدّمة وجثث تملأ المكان

الموصل
علي الحسيني
الموصل
محمد الطائي
30 يونيو 2017
+ الخط -
نشوة تحرير الحكومة العراقية للموصل ودحر تنظيم "داعش" لم ينجحا في إخفاء حقيقة أن ثاني أهم وأكبر مدن العراق دمرت بالكامل، وتحتاج إلى ما لا يقل عن 10 سنوات لإعادة إعمارها. كاميرا "العربي الجديد" جالت في المدينة قبيل إعلان التحرير رسمياً، وفي الساعات الأخيرة للقتال، وعادت بالمشاهد الأولى للموصل ما بعد "داعش".

للوهلة الأولى، تبدو عودة عشرات الآلاف الذين نزحوا من المدينة بعد احتلال تنظيم "داعش" لها أو أثناء عمليات التحرير، مسألة مستحيلة، فيما تقف أعداد كبيرة من المعاقين لتلملم جراحها في المخيمات التي نصبت وسط صحراء الموصل.

ومع ترقب وصول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال الاثنين والسبعين ساعة المقبلة لإعلان خطاب النصر وانتهاء المعارك رسميا، فإن الأرقام النهائية التي كشف عنها انقشاع دخان المعركة أقل ما يقال عنها إنها مفجعة.

 قتال الساعات الأخيرة

منذ فجر الجمعة، تشهد المدينة عمليات تقدم مستمرة للقوات العراقية مدعومة بطيران التحالف الدولي، بهدف استرداد باب لكش وباب حديد، آخر معاقل "داعش"، التي تمثل أقل من 1500 متر طولا باتجاه نهر دجلة.

ويسود الخوف من قتال الساعات الأخيرة بسبب وجود نحو 50 ألف مدني داخل تلك المنطقة سحبهم "داعش" بالقوة معه يوم أمس، عند خسارته منطقة جامع النوري والحدباء، وسط تحذيرات ومناشدات من أن تنتهي المعركة على جثثهم.

ويقول مسؤول عسكري بارز في الجيش العراقي إن القوات المشتركة تواصل تقدمها بغطاء أميركي، مبينا في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الاشتباكات ستنتهي عند بلوغ ضفاف دجلة عند الجسر القديم، وهو ما نأمل أن يكون خلال يومين أو ثلاثة"، مؤكدا أن العشرات من أفراد التنظيم محاصرون، "ولا أمل باستسلامهم كما يبدو".

يتحرك أفراد الجيش العراقي من خلال المنازل عبر فتحات أحدثوها بين منزل وآخر، خشية التعرض لنيران القناصة التي باتت سلاح التنظيم الفعال منذ انتقال المعارك للمنطقة القديمة بالموصل.

في الشوارع، تملأ جثث المدنيين الأرصفة، وداخل المنازل المهدمة هناك ثمة ما يؤكد أن عشرات الجثث تحتها، حيث الروائح التي تنبعث والكلاب التي تنبح حولها، وسط تقارير تتحدث عن وجود مئات المدنيين قضوا بالقصف داخل منازلهم في اليومين الماضيين، بينما الأسلحة والصواريخ والبنادق التي خلفها التنظيم وراءه بدت وكأنها قد تركت عنوة وبشكل منسق في الشوارع والمباني.

 جنود وجثث فوق أطلال الموصل

80 بالمائة نسبة التدمير العام في الموصل، الذي طاول البنى التحتية والمنشآت العامة ومنازل المواطنين وممتلكاتهم الخاصة، وفقا لما أكده عضو مجلس الموصل (الحكومة المحلية)، عمر الجبوري، الذي بيّن في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الخسائر الأكبر في ممتلكات المدنيين".

ويضيف الجبوري أن القصف الجوي والصاروخي والسلاح الثقيل بمختلف أنواعه كان مبالغا به، وداعش من جهته قرر تسليم المدينة خرابا.

ويتابع أن "داعش يتحمل ما جرى، لقد احتل المدينة وكانت من أجمل المدن العربية تاريخاً وحضارة وجمالاً، والآن تحولت إلى خراب".

ويدافع الجبوري بالقول "الحكومة كانت مجبرة، وأي حكومة بالعالم عندما تخرج مدينة من تحت سيطرتها تقوم بإعادتها مهما كلف الثمن، لكن ثمن الموصل كان باهظا".

ولا يبدو الحديث عن خسائر المدينة المادية وتحولها إلى خراب أخلاقيا مقابل المجازر التي ارتكبت بها كثمن لتحريرها، وفقا لمدير منظمة السلام العراقية الدكتور محمد علي، الذي أكد أن 25 ألف مدني قتلوا في الموصل خلال احتلال "داعش" لها، وخلال حكمه لها وخلال تحريرها.

ويضيف علي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن أكثر من 16 ألف مدني قتلوا خلال عملية استعادة المدينة بالأشهر التسعة الماضية من عمر المعركة، وقتل تسعة آلاف خلال عملية احتلالها وبعد حكم "داعش" لها، حيث كان القصف الجوي والبراميل المتفجرة التي تسقط على المدينة بمثابة طقس يومي لا يتبدل ولا يتغير، كما أن مجازر "داعش" بحق المدنيين ثابتة، وخصصت ساحة وسط الموصل لقتل من يعتبره التنظيم مرتدا عن الإسلام، بينما بلغ عدد الجرحى أكثر من 40 ألف جريح خلال السنوات الثلاث الماضية أيضا.

وعلى الجانب الآخر، بلغ عدد قتلى الجيش والبشمركة والقوات النظامية العراقية الأخرى فضلا عن مليشيات "الحشد الشعبي" أكثر من 18 ألف عنصر. وبلغ عدد المهجرين في الخيام مليونا وربع المليون شخص من أصل 3 ملايين نسمة هم سكان الموصل، فيما نجح الآخرون بمغادرة الموصل بعد احتلالها والسكن في تركيا والأردن، والنسبة الأكبر في إقليم كردستان وبغداد.

النائب عن محافظة نينوى محمد نوري العبد ربه، وصف الأوضاع الحالية في مدينة الموصل بأنها أسوأ من مرحلة ما قبل "داعش"، بسبب عدم وجود إدارة موحدة للمدينة تستطيع الوقوف على المتطلبات الهائلة التي تحتاجها المحافظة، مشيرا إلى أن غالبية النازحين الذين استقروا في مناطق إقليم كردستان والمحافظات الأخرى لا يرغبون بالعودة بسبب الفوضى الإدارية والأمنية التي تعيشها المحافظة.

وطالب العبد ربه، في حديث لـ"العربي الجديد"، الحكومة المركزية بتعيين حكومة محلية مؤقتة لإدارة شؤون المحافظة لحين انتخاب حكومة جديدة خلال الانتخابات المقبلة.

خسائر باهظة وشكوك بإعادة الإعمار

يقدر أحمد الحمداني، عضو مجلس نينوى المنتخب، خسائر الموصل بأكثر من 41 مليار دولار، مبينا أن الحكومة غير قادرة على إعمار الموصل الآن، فهي بالكاد تستطيع دفع مرتبات الموظفين بسبب الأزمة المالية.

 إلا أن عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، سرحان أحمد، أوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن خسائر مالية صادمة تكبدها العراق بسبب اجتياح "داعش" لمدنه واحتلالها.

وأوضح أن الخسائر المالية تبلغ نحو 100 مليار دولار، منها 15 مليار دولار خسرها العراق كإنفاق على الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، بينما تتمثل الخسائر الأخرى بتفجير وتدمير حقول نفطية ومنشآت وبنى تحتية، كالجسور والمصانع والطرق وشبكات الماء والكهرباء والمجاري والاتصالات والمباني الحكومية والجامعات والمدارس والمستشفيات والممتلكات العامة والخاصة للمواطنين.

ويقول الناشط في مجال حقوق الإنسان علي بكر، وهو محام من نينوى، إن الشبه الوحيد بين الموصل اليوم والموصل قبل احتلال "داعش" والعمليات العسكرية، هو موقعها على الخارطة، موضحا لـ"العربي الجديد"، أن غالبية أحياء المدينة، وخصوصا الغربية منها سويت بالأرض، وتحول كثير من المنازل والوحدات السكنية والتجارية إلى مقابر للمدنيين.

ولفت إلى أن القوات العراقية استخدمت أكثر من نصف ترسانتها العسكرية في الموصل، التي تعرضت لقصف جوي ومدفعي كثيف على مدى أكثر من 230 يوما من القتال المتواصل، لافتا إلى استخدام القوات العراقية للأسلحة المحرمة خلال المعارك، فضلا عن تنفيذ بعض تشكيلات القوات العراقية ومليشيا "الحشد الشعبي" عمليات إعدام جماعي بحق المدنيين، بذريعة الانتماء أو التواطؤ مع تنظيم "داعش".

ويشير بكر إلى ارتكاب تنظيم "داعش" جرائم قتل فادحة بحق المدنيين من الرجال والنساء والأطفال، الذين حاولوا خلال المعارك الهروب من الأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم، الذي كان يقصف الأحياء الخارجة عن سيطرته بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا.

 

ذات صلة

الصورة
الموصل/سياسة

سياسة

بعد مرور عامين على تحرير مدينة الموصل العراقية من قبضة تنظيم "داعش"، لا تزال المدينة تعيش وضعاً مزرياً، في ظلّ غياب الحكومة وتخلفها عن القيام بواجباتها تجاه السكان الذين أصبح الخراب المنتشر جزءاً من حياتهم اليومية.
الصورة
حيدر العبادي

أخبار

وصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، اليوم الأربعاء، إلى مدينة الموصل (500 كلم شمال العاصمة العراقية بغداد)، على رأس وفد حكومي وسياسي للمشاركة بفعاليات مؤتمر التعايش السلمي، فضلاً عن افتتاح أحد الجسور المدمرة الذي يربط بين ضفتي دجلة وسط الموصل.
الصورة
العراق/سياسة/مدنيون في الموصل/(كريم صحيب/فرانس برس)

أخبار

شنت قيادة العمليات العراقية المشتركة هجوما شديد اللهجة ضد منظمة العفو الدولية، بسبب نشر الأخيرة تقريرا، أمس الثلاثاء، تحدثت فيه عن انتهاكات ارتكبتها القوات العراقية وقوات التحالف الدولي، تسببت بمقتل مدنيين أثناء العمليات العسكرية لتحرير الموصل.
الصورة
العراق/جامع النوري المدمر/الأناضول

سياسة

تخلص أهالي الموصل من تنظيم "داعش" بعد الإعلان عن تحرير المدينة، ليجدوا أنفسهم أمام معاناة أخرى، بعدما أدت المعارك على مدى أشهر إلى تحويل المدينة، تحديداً المدينة القديمة، إلى مجرد أطلال بعدما تهدمت أغلب منازلها ولا تزال الجثث تحت الأنقاض.

المساهمون