"الطائر المطلي": "إيفان" جديد بلغة فاتسلاف مارهول

23 أكتوبر 2019
الصورة
"الطائر المطّلي": في مواجهة التحدّيات (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
في 17 عاماً، أخرج التشيكي فاتسلاف مارهول 3 أفلام روائية فقط. فيلمه الأخير، "الطائر المطّلي" ـ المعروض في المسابقة الرسمية للدورة الـ76 (29 أغسطس/ آب ـ 7 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي" ـ أثار جدلاً كثيراً، لقوّته وقسوته وفنّيته وافتعاليته. لم يُسمع الكثير عن مارهول (1960)، الذي لم يشترك قبلاً في مهرجانات كبرى أو معروفة، ولم يفز بجائزة دولية. لكن هذا لا يعني أنّه غير مُحترف أو متمكّن من أدواته، أو أنّه مجرد مخرج عابر، أو ليس أصيلاً، أو بلا موهبة. العكس هو الصحيح.

يبدو فاتسلاف مارهول مشغولاً بالحرب العالمية الثانية. فيلمه السابق، "طبرق" (2008)، عن جنديين تشيكيين، هما يوري ويان، يشاركان فيها بالانتساب إلى قوات الحلفاء، في "طبرق" الليبية. صراعهما هناك إزاء ويلات الحرب ضد الجيش الألماني، وعذابات وجودهما في الصحراء. إلى الحرب نفسها، يعود مارهول مجدّداً في "الطائر المطّلي"، المأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للأديب والممثل البولندي يرزي كوشينسكي (1933 – 1991)، الصادرة عام 1965 باللغة الإنكليزية. بعد صدور ترجمتها إلى اللغة البولندية، صودرت في بلده حتى سقوط الشيوعية. أعمال كوشينسكي ليست غريبة عن السينما، إذْ اقتبس هال أشبي روايته "أن تكون هناك" (1970)، في فيلم بالعنوان نفسه، أُنتج عام 1979، وحصل على جوائز عدة ("غولدن غلوب" و"بافتا" مثلاً): بستانيّ شبه أميّ (بيتر سيلرز)، أصبح في غفلة من الزمن مستشاراً وناصحاً أميناً لأحد أكبر القادة في أميركا (ميلفين دوغلاس)، رغم بساطته وبدائيته وعدم تمرّسه بالحياة.

يحتوي فيلم ورواية "أن تكون هناك" على كوميديا كثيرة ومواقف طريفة وشديدة السخرية، على نقيض فيلم ورواية "الطائر المطّلي"، وفيه أقسى درجات القسوة والبشاعة والفظاعة، التي يمكن تخيّل اقترافها من بشر تجاه صبي (13 عاماً)، لا اسم له، إلى درجة يعجز عن تحمّلها متمرّسون في الحياة. فالعوالم التي يعيشها المشاهدون مع الصبي (بيتر كوتلر)، في 3 ساعات، بالغة التنوّع، قوامها المعاناة والتعذيب والجوع والتشرّد والهروب والاغتصاب. إزاءها، يُعدّ الموت رفاهية، لكنّه ليس خياراً مطروحاً.



البطل/ الصبي وأجواء الحرب والأسود والأبيض (الفيلم مُصوّر بخام 35 ملم، وبأبعاد سينما سكوب) وغيرها، مفردات تُذكِّر بـ"طفولة إيفان" (1962) للروسي أندريه تاركوفسكي. الصبيّان في مرحلة عمرية واحدة. بطل تاركوفسكي يُعاين الحرب بنفسه، كصبيّ "الطائر المطّلي"، لكن الفرق بينهما، أنّ الأول يرغب في خوضها، فهو يحبّ بلده، ويريد الدفاع عنها ضدّ العدو، ويتمنى القيام بعملٍ بطولي، وإنْ يُكلّفه حياته. أما صبي "الطائر المطّلي"، فالنقيض التام لشخصيته ولكلّ ما يُمثّله. بالإضافة إلى وجود أبعادٍ شخصية لصبي "طفولة إيفان"، تُكسبه لحماً ودماً، كالأحلام والذكريات وشقيقته والبئر ووالدته، وغيرها، بينما صبي "الطائر المطّلي" ذو بُعد واحد، فهو آتٍ من العدم تقريباً، لا يُعرف شيء عن نشأته أو لهجته أو نبرة صوته، فهو لا يتكلّم أبداً، أو عن دينه أو عرقه أو أبويه، اللذين آثرا ابتعاده، خوفاً عليه من الحرب. سريعاً، تظهر صورة فوتوغرافية له مع عائلة يهودية، ربما هي لوالديه أو لأجداده. لكن، هناك تلميح إلى كونه غجري العرق، وبلا ديانة.

أثار الفيلم والرواية لغطاً كبيراً، حول أنّهما استعارة للتطهير العرقي، أو لما حدث مع اليهود، ليس فقط في الحرب العالمية الثانية، بل تاريخياً. لكن هذا لم يؤكّده المؤلّف أو ينكره، ولا المخرج، بينما المؤكد أن الرواية والفيلم يتناولان التصرّفات الهمجية المستهجنة للبشر إزاء فرد أو جماعة أو عرق، أو مجتمعات مختلفة، في أيّ زمان ومكان. النموذج المستعار متجسد في الصبي، بصرف النظر عن ديانته أو عرقه. لكن، هل يتناول العملان فترة الحرب فقط، أم الإنسان وسلوكه في المطلق؟ تصعب الإجابة بشكلٍ يقيني.

ربما لم يرد النص الروائي أو الفيلم السينمائي إدانة مجتمعات الحروب، أو إنسانها المشوَّه آنذاك، بل إيصال رسالة مفادها أن البشر أو المجتمعات، في ظلّ أحلك الظروف، وليس هناك ما هو أحلك من أهوال الحروب، يُخرجون دائماً الشيطان الكامن في دواخلهم، فتكون أفعالهم تصرّفات بشعة للغاية، وربما عجز العقل نفسه عن تصوّر مقدار بشاعتها. تلك التجليات الوحشية، كان الصبي محورها، والمُفَجِّر لها. صبي غريب لا حول له ولا قوّة. وبدلاً من أنْ يُقابَل بعطفٍ ورعاية، ألفى نفسه باعثاً لأوجاع البشر وأحقادهم وتشوّهاتهم، أولئك الذين التقاهم في رحلته الأوديسية.

خلال رحلته، هناك حرب وكراهية وتنكيل وعنف، وهناك روس وألمان وغجر ويهود وقوقازيون. وهذا كلّه يُلمَّح إليه عرضاً في السياق الدرامي، كخلفية لسرد الأحداث، لا لتوجيه إدانة، أو لدفاع عن وجهة نظر سياسية أو عرقية أو اجتماعية. مجرّد سرد مقتضب لوقائع التاريخ في تلك الفترة، في بقعة شاسعة من أوروبا الشرقية. التجهيل مُتعمّد طبعاً، وأيضاً ما يتعلّق باللهجات واللغات، كالسلوفينية والتشيكية والبولندية والروسية والألمانية، وغيرها. هذا التنوّع مقصود، تجنباً لأيّ تحديد. لذا، برز إصرار المخرج ومحافظته على نظرته الموضوعية تجاه الأشخاص والأحداث. نظرة حيادية لمُراقِب بارد، حتى إزاء المصير بالغ القسوة لبطله.

يتكوّن "الطائر المطّلي" من 9 أجزاء منفصلة، متفاوتة زمنياً، عناوينها أسماء شخصيات يلتقيها الصبي: مارتا وأولغا وميلر وهانز، وغيرهم. بعد وفاة العجوز، التي كانت تؤويه إلى أنْ يعود والداه، لم يعد للصبي مكان أو منزل. ولأنها توفّيت محترقة، جرّاء خطأ غير مقصود منه، تشاءم الجيران منه، وزادوا التنكيل به، بعد تنكيل رفاقه. المُعالِجة/ الساحرة (ألا ساكالوفا) تُنقذه، بعد أنْ "اشترته"، متّخذة إياه "عبدا" يخدمها ويعاونها في ممارسة الطبابة والسحر.
معها، يظهر الصبيّ في أحد أقسى المَشاهد: يُدفن في باطن الأرض حتّى رأسه، لخشيتها عليه من الطاعون. لكن الغربان تأتي لتنهش رأسه بوحشية.

بعد إنقاذه، يفرّ، ويقابل الطحّان الفظّ (أودو كيير)، الذي يؤويه مقابل العمل، والذي فَقأ عينَيْ مستخدمه وانتزعهما بملعقة، بعد شكّه في أنّ له علاقة بزوجته. باستثناء الغيرة المُستعرة ضد مستخدمه، وطبيعته الفظّة القاسية، وضربه زوجته، لم يرَ الصبي أذى مباشراً من الطحّان. ولعلّه الوحيد، مع صيّاد الطيور (ليخ ديبليك)، الذي لم يؤذه كثيراً، جسدياً ومعنوياً، مقارنة بالآخرين. مقطع صيّاد الطيور ترجمة لعنوان الرواية والفيلم، واستعارة مباشرة للكراهية الصريحة للآخر. صيّاد الطيور يُبيّن للصبي أنّه، عند طلائه أحد الطيور المغرّدة بدهانٍ مختلف، وإطلاقه في الهواء، هاجمته الطيور التي من جنسه بشراسة، وفتكت به، ظناً منها أنه غريب دخيل.

نماذج كثيرة يلتقيها الصبي: القسّ الودود (هارفي كايتل)، الذي يُنقذه من الألمان. لضعف صحّته وإحساسه بنهايته الوشيكة، يعهد به إلى صانع الخمور (جوليان ساندس)، الذي يعتدي عليه جنسياً. هذا يحدث أيضاً مع المُزارعة الشهوانية (جوليا فالنتوفا)، التي عوضاً عن الحنان والاحتواء، تُهينه وتُذلّه، لأنه لم يعرف معاشرتها جنسياً. المُثير للانتباه أنّ الجنود هم الذين عاملوه بعطف وشفقة، أو بحيادية على الأقلّ، فلم يؤذه أحدٌ منهم. عريف الجيش الألماني (ستيلان سكارسغارد) لا يقتله، كما أُمر، بل يُطلق رصاصة في الهواء، ويتركه يهرب. قنّاص الجيش الأحمر (باري بيبر) يصادقه، ويُطلعه على كيفية إطلاق الرصاص، تاركاً له مسدسه.

عبر تلك المَشاهد المتراكمة قصداً، يظهر عنف تلو آخر. أحياناً، هناك مبالغة في اقتراف العنف، بشكلٍ لا يُطاق. لذا، كان هناك اتهام بالافتعال بعض الشيء، نظراً إلى أنّ "الرسالة" وصلت بفضل مقاطع مختلفة، فلم يكن من داع للإكثار من مشاهد العنف وإطالتها. لكن رؤية فاتسلاف مارهول مختلفة: إكثار المواقف المؤلمة ومُراكمة القسوة أفضيا إلى تغيير بطيء، يُلاحَظ في نهاية الفيلم. تغيير يطرأ على شخصية الصبي، فيتحوّل، بسبب هول الأحداث ومكابداته، من خنوع وطيبة ووداعة، إلى تمرّد وعنف، وحتى إلى ممارسة القتل.

"الطائر المطّلي" من أقوى الأفلام المرتبطة بسينما الحرب وويلاتها وتشريحها سلوك البشر. جمالياً وفنياً، هناك فرادة ملحوظة، نظراً إلى وجهة نظر ورؤية أصيلتين وغير مستهلكتين. بصرياً، الفيلم ممتع جداً ومتنوّع، بفضل الجمالية المشهدية للريف الأوروبي الثري، ولكونه غير مملّ أبدًا رغم طول مدّته (169 دقيقة)، وقسوته التي لا تحتمل.

المساهمون