"الشرق يبدأ في القاهرة": فاسيولينسي في جلباب فلوبير

26 يونيو 2018
الصورة
(من القاهرة)
+ الخط -

من أبرز ما يخطر على البال حين نفكر في أدب الرحلة، اسم ماركو بولو صاحب كتاب "رحلات في أرض كوبلاي خان"، والذي استعاده الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو في "مدن غير مرئية" حيث جرى تحويل الرحلة الأصلية إلى رحلة متخيّلة. قد نستعيد شيئاً من ذلك ونحن نقرأ عمل الكاتب الكولومبي آكتور آباد فاسيولينسي؛ "الشرق يبدأ في القاهرة"، الصادر مؤخراً في ترجمة عربية وقّعها محمد الفولي عن "دار صفصافة".

حينما كتب كالفينو روايته، بدا واضحاً أنه يتّبع خطى ماركو بولو، إلا أنه وبدهاء فنّان وتحت مسمى رواية؛ أنقذ كتابات الرحالة الإيطالي من الأحكام والرؤى المسبقة عن المدن، رؤى تدّعي أنها تكشف لكنها في الحقيقة تهيل التراب على ملامح أخرى من شخصية المدن، وكأن عنوان الرواية محاولة للعب مع سؤال؛ هل يرى الرحالةُ المدنَ حقاً؟

رواية كالفينو تجعلنا نسأل لماذا وصف كاتبها المدن على لسان الرحالة في شكل حكايات ترى المدن من خلال مراوغات مختلفة. أليست هذه المراوغات هي ما تعطي بعداً فنياً للرحلة يملؤها بالشكوك ويحرّرها من الأفكار والخيالات المسبقة؟

بدون ذلك قد يظلم الرحالة المدن التي يزورونها، إذ قد تنغلق عليهم وهم يظنون أنها تفتّحت لهم وامتلكوا سرّها الكامن، وربما هو حال الكاتب الكولومبي حيث انغلقت القاهرة أمامه. ففاسيولينسي قرّر أن يزور مصر التي زارها قبله فلوبير ومارك توين وفرانسوا فولني وروديارد كيبلينغ وانطلق بشكل واضح من قراءة سابقة لروايات فلوبير عنها.

لم يستخدم الكاتب فقط عبارة فلوبير الشهيرة "الشرق يبدأ في القاهرة" كعنوان لكتابه، بل استخدم أيضاً نفس الولع ونفس الضجر الخاصين بفلوبير عن القاهرة، بداية من الولع بالجنس في بلاد الشرق الذي أدّى إلى إصابة الكاتب الفرنسي بالزهري، إضافة إلى مظاهر أخرى منها الولع بكل ما هو فرعوني، والولع النمطي بالعطور والبخور، وصولاً إلى الضجر من الغبار والطقس. حتى أن الكاتب يحكي قصة اللحية التي أطلقها ليقلّد فلوبير حينما أتى إلى مصر.

ورغم كل هذا الولع بالشرق في الماضي يظل المرء يتأنى قبل أن يحكم بأن هذه الكتابة استشراقية بامتياز. هل هي مرة أخرى كتابة رجل أبيض قرّر المجيء والعيش في مصر لمدة شهرين (بين ديسمبر 1999 ويناير 2000) لا يبرح القاهرة، كما لا يبرح كتبه ومراجعه التي تعود غالبيتها إلى القرن التاسع عشر، ولا يذهب في القاهرة خارج المناطق السياحية، ربما سوى إلى سوق الجِمال ليرى الجمل كما وصفه فلوبير، وذات مرة يقرّر زيارة الأقصر وأسوان وملاحقة حقبة الفراعنة.

يذكر فاسيولينسي مثلاً أسفه لأنه لم يجد "فندق شبرد" ولا "فندق الماريوت" ولا غيرها من المعالم مثلما أتى ذكرها في كتب المستشرقين. هنا، تناسى فاسيولينسي أن البحث عن الماضي في المدن رغم كونه أمراً طبيعياً لكنه لا يتم على هذا النحو من المقارنات مع مادة جاهزة في ذهنه، فلم يعمل بـ"نصيحة" إيتالو كالفينو حين قال: "المدينة على أي حال لا تكشف عن ماضيها إنما تحمله كخطوط الكف مكتوباً في زوايا الشوارع".

لكن البحث عن الماضي في المدن يظلّ أمراً طبيعياً يتعلق بالرغبة في المزيد من الاقتناع ومن ثم مواصلة الانبهار. الاقتناع بأن ما تم قراءته وسماعه ودراسته وتداوله يمكن أيضاً رؤيته ولمسه، فالتأكيدات الحسية تعمل مثل تكملة وتأكيد لأفكار مسبقة وإعادة إنتاج الصور والحكايات.

بالطبع حاول فاسيولينسي فهم واقع المجتمع المصري وظواهر مثل التديّن والحجاب والتطرّف والختان، ولم ينس التطرق لقضية طعن نجيب محفوظ ووضع الكتّاب السيئ مادياً ومعنوياً، لكن كل تلك المواضيع الجاذبة للمستشرقين تناولها الكاتب الكولومبي بعيداً عن الناس، حيث كان يهرب طوال الوقت في المكان. ورغم ما عرف عن المصريين من انفتاح على الأجانب إلا أن عمله انغلق دونهم إلا في ما ندر، مقابل ذلك انفتح الكاتب أكثر على كتبه وصحفه.

يقول المترجم محمد الفولي في مقدمته للكتاب: "أغلب كتب الرحالة تعاملت مع مصر الماضي والحاضر بنظرة الرجل الأبيض المتعالية لما يراه من غرائبيات الشرق، لكن الكتاب الموجود مع القارئ الآن له ميزة مختلفة وهو أن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها إلى يديه عمل من هذه الفئة صيغ بقلم أحد أبناء أميركا الجنوبية؛ ذلك المكان الذي رغماً عن بعده يحمل داخل مجتمعه خصائص مشتركة كثيرة مع نظيره المصري".

لعلّ هذه "المغالطة" التي أطلقها المترجم أكثر ما يلفتنا إلى الزاوية الاستشراقية للعمل، نحن أمام نفس نظرة الرجل الأبيض المتعالية حتى وإن لم نكن مع نص لكاتب أوروبي، والتعالي هنا ليس بمعناه النفسي بل بمعناه الفكري وهو ما يكشفه تفضيله الانغلاق في مقابل محاولة التواصل.

تطرّق فاسيولينسي لوضع اليهود المصريين والنزوح الذي حدث لهم حتى أنه يتحدث عن أن ما تبقى من اليهود المصريين في الألفية الحالية يهودي واحد، ولكي يكتسب الموضوع إثارة أكبر قال إن حتى الوصول لهذا اليهودي من الأمور الصعبة. لم يتقصّ المؤلف أكثر في هذا الموضوع، ربما كي لا يهدم الصورة الاستشراقية التي يودّ بقوة أن تظل ولم يرغب في معرفة حقيقة الطائفة اليهودية وعددها الحقيقي واحتفالاتها إلخ.

في موضع آخر، يكتب: "الإبهار الإيروتيكي لكلمات شهرزاد صنعت لدينا في الغرب صورة ذات أصداء ذكورية محببة عن الشرق، القدرة على امتلاك امرأة مختلفة كل يوم مثل المسلمين". هذه الرؤية في الحقيقة لا تجد ما يغذيها في الألفية الثانية، وقد فكك هذه الرؤية إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" وللمصادفة أن تحليل سعيد ذاك كان منطلقه تحليل رؤى فلوبير عن الشرق وهي نفس الرؤى التي يتحدث عنها فاسيولنسي.

كتب سعيد في "الاستشراق": "زيارة فلوبير للشرق واهتمامه بعالم "الراقصات" يمكن وصفه بالخيال الجنسي ذي النزعة الهروبية حيث كان الجنس في مجتمع أوروبا القرن التاسع عشر يمر عبر شبكة من الالتزامات القانونية والأخلاقية بل والسياسية والاقتصادية فيما كان الشرق مرتعاً يتيح للمرء تجربة جنسية لا يمكن تحصيلها في أوروبا". لكن ما يتحدث عنه إدوارد سعيد يتعلق بالخيال الجنسي للغربيين حيال الشرق خلال القرن التاسع عشر. اليوم، لم تعد أوروبا بحالة انغلاق جنسي فلماذا تظل نفس الأفكار تُستنسخ عن الشرق في ما يتعلق بالخيال الجنسي تحديداً؟

هذه الظاهرة كان قد تناولها جوزيف مسعد في كتاب "اشتهاء العرب" حيث أشار إلى أن الجنس طالما لعب دوراً مهماً في خيالات المستشرقين وبحوثهم، وكيف أن المستشرقين وصفوا الشرق باعتباره مؤنثاً فرمزه الأساسي الحريم؛ الذي يربط بين خاصيّتين: المرأة المخصّصة للجنس والحاكم المستبد.

بالعودة إلى إيتالو كالفينو، فهو الذي وصف المدن بكونها "أحلاماً مكونة من رغبات ومخاوف"، ومن الجلي أن فاسيولينسي كان محكوماً في عمله بهذه المخاوف والرغبات مع انشغال بمراجع التاريخ من جهة وبدليل المرشد السياحي من جهة أخرى.

هذا يجعلنا نتساءل هل تفتقد القاهرة للخصوصية فباتت تشبه الكثير من المدن الأخرى، وبات من السهل إسقاط أحكام جاهزة عليها؟ ربما هي ظاهرة عامة تجعل من المدن فاقدة لطابعها الخاص. وقد لا يكون الأمر كذلك، فلا يعدو أن يكون مسألة رؤية كاتب وتسرّع وضيق أفق؟

المفارقة أنه في مدن كالفينو غير المرئية لن نعثر على مدينة تشبه الأخرى، لكن القاهرة في كتابة فاسيولينسي تشبه غيرها كثيراً، تشبه ربما بلده كولومبيا في جوانب كثيرة.

المساهمون