"السيدة م": قراءة في عصاب جماعي

30 يوليو 2019
الصورة
(من العرض، تصوير: أحمد بوسنينة)

لم يفهم المقبلون على مشاهدة مسرحية "السيدة م" في مسرح "المركز الثقافي الدولي" في مدينة الحمامات التونسية، لماذا لم يُسمح لهم بصعود المدارج واختيار مقاعدهم وقد اقترب موعد العرض، قبل أن يعلو صوت أنثوي يطلب منهم الدخول، منبهاً إياهم بنبرة بين الجدية والهزل، بالامتناع عن "استعمال الهاتف الجوال، وغلقه، والامتناع عن الأكل والشرب وتحريك الأشداق أثناء العرض"، ثم يضيف "ما هي إلا ساعة ونصف"، ساعة ونصف من "الاستهلاك الثقافي".

وبدل البقاء في المدارج، يَطلب المنظمون من المشاهدين الجلوس على رُكح المسرح في مقاعد خُصّصت للغرض، وكأنها جزء من ديكور المسرحية، أو أن المتفرجين سيكونون ضمن المسرحية وأحداثها، فهُم على مسافة سنتمترات من مصطبة يسقط عليها ضوء خافت، ووضعت عليها طاولة، جلست حولها امرأة، أمامها قطعة مرطبات عيد ميلاد، وحول الطاولة شابان وفتاتان، والكل في حالة ثبات، إلى أن جلس كل المشاهدين في أماكنهم.

المسرحية عُرضت مؤخراً في مدينة الحمامات، فيما انطلقت عروضها في آذار/مارس الماضي، وهي تقدّم ساعة ونصف الساعة يمتزج فيها الواقع بالرغبات والصراعات الشخصية، انطلاقاً من حدث يتمحور حوله العمل، كان له انعكاسات مختلفة على جميع الشخصيات.

يعلو نفس الصوت الأنثوي مرة ثانية ليضع المشاهدين في قلب الحكاية: عالم عائلة عادية تعيش في أحد أحياء تونس العاصمة، وكيف أن كل شيء قد انقلب رأساً على عقب، بعد أن دخلت إلى ذلك العالم الهادئ طموحات صحافية اسمها هاجر، كانت تبحث عن الشهرة مهما كانت الطرق، ووجدت في تلك العائلة المنغلقة على نفسها، مدخلاً.

حدث أن هوجم الحيّ الذي تسكن فيه تلك العائلة بالجرذان التي تسبّبت في إزعاج كل المتساكنين وأخافتهم من انتشار الأوبئة. وبحسب تحريات الصحافية حول تلك العائلة والمنزل الذي كانت تسكنه، فإن كل الشكوك توجّهت إليها. وبمجرد نشر المقال، شرع البوليس في التحقيق بأساليبه المعروفة، وجرى اتهام مهدي الذي كان مولعاً بحديقة المنزل. بعد ثلاثة أيام ينتحر مهدي مشنوقاً في غصن من أغصان الرمانة التي زرعها منذ عشر سنوات.

وفي حين أن شخصيات العمل يجسّدها ممثلون، فإن هاجر تظل غائبة، يعوّضها صوت خارجي وكرسي أحمر فارغ، والذي يتحوّل إلى مُحاوِر للشخصيات الخمس في المسرحية، ومن خلال هذه الحوارات تتعرّى كل الخلفيات والخبايا داخل كل شخصية وتسقط أقنعتها، في وقت تتسارع فيه الأحداث وتشتد تصفية الحسابات وتتشابك الدوافع والرغبات والأحاسيس بين الكره والحب والتنافس والغيرة والغضب وحب الانتقام، كما تتلاحم أجساد الإخوة في عراك وتبادل كلام وحركات ووضعيات حتى تصل كل شخصية إلى حقيقتها عبر الآخرين. لكن ذلك لم يكن ممكناً من دون حل عقدة الهيمنة عند الأم، وتلك مسألة أساسية في المسرحية.

كل شيء يدور حول الأم.. السيدة م، أو مدام م... مليكة... 65 سنة... يوم عيد ميلادها. تقول السيدة م إنها قدمت أربعين سنة من عمرها في خدمة أبنائها الخمسة: ثلاثة ذكور وبنتين. تقول إن معنى حياتها هو الإنجاب وإنها ولّادة بكل معاني الكلمة. تروي حكايتها مع الحمل والإنجاب وكأنها تروي حكاية مدمن لا يعرف كيف ينجو من الشيء الذي يستهويه. ولما تفقد أحد أبنائها (مهدي) بسبب التحقيق الصحافي تثور ثائرتها وتبيّن للصحافية سخافتها وحقارتها، سخافة الطموح بكل الوسائل مقابل عظمة الإنجاب وولادة الحياة.

كأنّ دخول هاجر إلى هذه العائلة العادية أعاد ترتيب العلاقات بين أفراد العائلة وترتيب علاقة كل فرد بذاته وبمعنى حياته. وها أن تماسك العائلة الظاهري قد ذاب كقطعة من الجليد أمام هذا النوع من الأزمات. فبعيداً عن حكاية التحقيق الصحافي ونتائجه المتسرّعة، كان انتحار مهدي تحدياً للعائلة. لقد كان سقوط فرد منها سبباً في جذب كل العائلة للتوهان، حيث سيكتشف كل أفرادها خصوصيتهم الحقيقية ويبدؤون في عدم المساومة من أجل تماسك العائلة، وهو الوهم الذي نذروا له حياتهم سابقاً بإيعاز من الأم.

كان حضور المتفرجين على الركح أشبه بمشاركة أو شهادة على كل ذلك. كأنما أجبروا على أن يتورّطوا في ما تعيشه هذه الأسرة. ورغم أن ما يدور على الركح ليس سوى لعبة يمكن أن لا تؤخذ بعين الجد، غير أن ما تعيشه أسرة السيدة م إنما هو في الحقيقة نفس الواقع الاجتماعي والنفسي للأسرة وللمحيط السياسي الذي تتفاعل معه. لذلك لا يمكن أخذ كلام الصوت الأنثوي على سبيل الدعابة حين تختم المسرحية بقولها: "هذا عمل.. خذوه كما هو، هدفه ليس في الحكم على الواقع أو تقديم فهم وحيد له ولا في الانحياز إلى وجهة نظر. هو لعبة فنية تشابكت فيها المشاهد والملابس والهيئات والحركات والكلمات والأضواء والأصوات والأنغام على مصطبة تدور على نفسها وأمام المتفرجين الذين لا يتحركون ولكنهم يرون زوايا متعددة من واقع معقد".

لا بد من الانتباه إلى أن واقع العائلة البيولوجية والاجتماعية لا يشبه واقع العائلة الفنية أو العلمية. ففي العائلة الفنية أو العلمية يمكن أن يكون أبونا بعيداً في المكان والزمان، ويمكن أن يكون أخونا شخصاً لا نعرفه، حيث إن الروابط فيها تقوم على عناصر مشتركة رمزية ووجدانية تمكّن من الشعور بالانتماء. فهل أن هذا النوع من العلاقات يمثل الأمل بالنسبة للبشرية؟

نشعر بذلك حين نلاحظ أن المخرجة، آسيا الجعايبي، قد حاولت إعادة بناء علاقاتها العائلية فنياً، فقد جاء في المسرحية أن هاجر وإحدى الأخوات قد تواعدتا على لقاء في "مقهى العشاق المهجور"، وهو إشارة إلى عمل يحمل نفس العنوان للفاضل الجعايبي (والذي هو والد المخرجة) ولقد سعت السيدة م (أداء جليلة بكار وهي أم المخرجة) في لحظة الانعتاق والانفراج إلى حل شعر أبنائها، وذلك في غمزة نحو عمل قامت به منذ سنين يحمل عنوان "فاميليا" وتخللته مشاهد حلّ الشعر وطلب الحرية عبر تلك الحركة. ولعل ما لم نستطع أن نوصله كآباء وأمهات مباشرة يمكن أن يصل إلى الأبناء عبر هذه اللقطات والرموز المشتركة التي تلقي بجسور بين الماضي والحاضر والمستقبل وبين الأجيال.

في نهاية المطاف، يبدو غياب الأب وتجني الصحافية وانتحار الابن وانفجار العائلة الموحدة وزعزعة هيمنة الأم مثل أعراض لعصاب قوي يجتاح كل العائلات. فمع حاجتنا الشديدة إلى العائلة لبناء العلاقات والروابط الضرورية للحياة، نكون في الوقت نفسه في حاجة أيضاً للتحرّر من قيود العائلة للتعرّف على الذات وما يتطلبه ذلك من جرأة ومغامرة.


* كاتب وباحث تونسي في علم النفس