"السوشال ميديا" والتنمية البشرية العربية

09 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
على الرغم من ارتفاع مجموع المستفيدين من الخدمات الاجتماعية، وتحسن المؤشرات الدالة على ذلك في عدد من الدول العربية، مثل معدلات القراءة بين البالغين والشباب، إضافة إلى معدلات الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة، ومتوسط العمر المتوقع، وتراجع معدلات الوفيات؛ وكذلك التحسن الملحوظ في مستويات التعليم والصحة، حسب تقارير التنمية البشرية التي تصدر سنوياً عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ عام 1990، فضلاً عن تقارير صندوق النقد العربي أخيرا، فإن الثابت أن ثمة أزمات حقيقية ما زالت ماثلة للعيان؛ تهدّد، إلى حد كبير، الإنجازات المشار إليها؛ وكذلك تعتبر، في الوقت نفسه، من المعوقات الأساسية للثورة المعرفية الحقيقية في الوطن العربي، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا) الذي أصبح في الوقت نفسه مؤشراً رئيسياً على التنمية البشرية العربية.
ومن أهم معوقات الارتقاء بالثورة المعرفية، واتساع طيف المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي وبنّاء، ارتفاع معدلات الفقر؛ والفقر المدقع، والبطالة؛ والأمية، بشكل لافت.‏ وفي هذا السياق، يمكن القول إن ظاهرة الأمية الآخذة في التفاقم بسبب معوقات التعليم والارتفاع الكبير في مجموع السكان، حيث يتعدى معدل النمو السكاني في غالبية الدول العربية 3،5% سنوياً، تعتبر من المشكلات المستعصية في الدول العربية، على الرغم من محاولات بعض الدول العربية وضع خطط للحد من اتساع تلك الظاهرة، لكن ببطء شديد. وتفيد تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة بين 1990 و2016، وكذلك تقارير جامعة الدول العربية وصندوق النقد العربي في الفترة نفسها إلى أن نصف مجموع الإناث العربيات البالغات، ونحو ربع الإناث الشابات، أميات.
كما تفيد المعطيات بأن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 36% خلال السنوات الأخيرة. وفي مقابل ذلك، سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو
20% من إجمالي مجموع الفئة المذكورة، والتي تصل نسبتها إلى نحو 20% أيضاً من إجمالي سكان الدول العربية خلال العام الماضي 2016، والبالغ 270 مليون مواطن ومواطنة عربية. وبطبيعة الحال، تتفاوت المعدلات بين دولة عربية وأخرى، وقد سجل المعدل الأدنى في دول مجلس التعاون الخليجي. كما تفيد المعطيات بأن معدلات الأمية ترتفع لدى الإناث، مقارنة مع الذكور، في غالبية الدول العربية. وتوجد أكبر فجوة للنوع الاجتماعي في كل من المغرب وموريتانيا واليمن؛ حيث يوجد خمس إناث بالغات ملمات بالقراءة والكتابة في مقابل عشرة ذكور بالغين ملمين بها. وعموماً، يوجد معظم الأميين في الأرياف العربية التي تستحوذ على القسم الأكبر من مجموع السكان في الوطن العربي. وفي هذا السياق، تصل نسبة سكان الأرياف إلى نحو 60% من سكان غالبية الدول العربية. وتبلغ نسبة الأميين من الشباب في الريف ضعفيْ ما هي عليه في المدن في الجزائر والمغرب ومصر وتونس، ما انعكس سلباً على مستوى الأداء الاقتصادي بالمعنى العام، وبمعناه المعرفي أيضاً.
وللأسباب المذكورة، لم تتمكن الدول العربية من الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستخدام "السوشال ميديا". وتعزى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية وبعض الأقاليم في العالم إلى عدة أسباب؛ من أهمها الكلفة العالية لهذه التكنولوجيا مقارنة بمتوسط الدخل المنخفض في بعض الدول العربية، وارتفاع معدلات الأمية وضعف الإلمام باللغات الأجنبية والمهارات المطلوبة لاستخدام هذه التكنولوجيا، حتى بين المتعلمين. وبطبيعة الحال، تتوفر بعض أدوات هذه التكنولوجيا في مناطق وجود مستخدميها، أي التي يقطنها الميسورون والمتعلمون، ويقل وجودها في الأرياف والأحياء الفقيرة، الأمر الذي يزيد من الفجوة المعرفية واستخدام وسائط التواصل الاجتماعي وانعدام المساواة وتكافؤ الفرص بين فئات المجتمعات العربية وشرائحها.
ويمكن الجزم بأنه، مع استمرار حالة النظم السياسية العربية المترهلة تتراجع المؤشرات الدالة
على تطوّر المجتمعات والتنمية البشرية، ويمنع العرب من اللحاق في ركب التطور. وتبعاً لذلك، ستشهد الدول العربية مزيداً من الانتفاضات والثورات الشعبية، للمطالبة في بناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلاً عن المطالبة بالتغيير الشامل، وترسيخ مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون، عوضاً عن مبدأ الفردية في الحكم. وبطبيعة الحال، سيهيئ انتشار المبدأ المذكور الظروف السانحة لعودة رأس المال المالي العربي المهاجر من جهة، وكذلك ستكون الطريق معبدةً لعودة الأدمغة العربية المهاجرة إلى أوطانها، حيث تشير دراسات عديدة إلى وجود خمسة ملايين من العلماء والأكاديميين والباحثين العرب في أوروبا وأميركا.
وبعودة رأس المال المالي والبشري إلى الدول العربية وتوطينها في الوطن الأم، يمكن التأكيد عندئذ بأن ثمة قدرات وطنية حقيقية كامنة ستدفع باتجاه تعزيز قدرات الوطن والمواطن العربي وتنميتها. وتالياً تحسين شروط الأداء الاقتصادي لكل القطاعات الاقتصادية، في إطار الاقتصادات الوطنية، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي، من شأنه تعزيز الخيارات للدول والشعوب العربية على حد سواء. وقد تدفع تلك التغيرات إلى أن يتبوأ الوطن العربي مكانة مهمة، ويصبح رقماً ليس هامشياً في إطار العلاقات الدولية من جهة، وتالياً استخدام "السوشال ميديا" بشكل واسع ومبرمج لخدمة التنمية والتطور في الدول العربية.