"السورياليون المصريون": زمن الفن والثورة

26 نوفمبر 2015
الصورة
(من أرشيف "جماعة الفن والحرية"، 1941)

يؤرَّخ لوصول التيار السوريالي إلى مصر بمنتصف الثلاثينيات؛ في 1934 تحديداً. في ذلك العام، عاد الفنان والشاعر جورج حنين (1914 – 1973) إلى القاهرة، بعد سنواتٍ قضاها في باريس وعواصم أوروبية عدّة، اطّلع فيها على مختلف التيارات الثقافية والفنية الغربية.

كان واضحاً أن الصداقة التي جمعته بالفنان الفرنسي أندريه بروتون، وتبنّيه لـ "التروتسكية"، رغم انتمائه إلى الطبقة البرجوازية، ساهما في بلورة توجّهه الفني. هكذا، نشر حنين، سلسلة مقالات في مجلّة "محاولة"، التي كانت تقدّم نفسها بأنها "المجلّة الوحيدة التي تُدافع عن الحرية في مصر"، سلسلة مقالاتٍ عن السوريالية؛ كذاك الذي نشره في 1935 عن انتحار الكاتب الفرنسي رينيه كريفيل. بعدها بعام، قدّم السوريالية إلى مصر بشكل مباشر في محاضرة ألقاها في القاهرة.

من هنا، أطلق حنين رفقة عدد من أصدقائه؛ مثل: كامل التلمساني وأنجيلو دي رينيه ورمسيس يونان وآميل سيمون "جماعة الفن والحرية" التي عُرفت باسم "الجماعة السوريالية المصرية". عبر مجلّتها، أعلن أن "هدف الجماعة ليس تغيير الرغبة، وإنما تغيير المجتمع وتكييفه مع رغباتها. لا بدّ للفن أن يكون ضدّ الطبقة الحاكمة". وكتب في مجلّة "دون كيشوت" التي صدرت بالفرنسية عام 1939: "نحن نناضل ضد الفوارق الطبقية والمغالطة التاريخية وتقييد الحرية.. ضدّ كل التلفيقات وكل التوريات".

تحت ثلاثية "الحياة والحب والحرية"، توالت مجلاّت الجماعة وأعمالها الفنية والأدبية ومعارضها، متناولةً مواضيع بدت جديدةً، من حيث طريقة طرحها، على المجتمع المصري؛ مثل: المرأة والجنس والحرية والتقاليد الدينية والاجتماعية. كانت المعارض تُقام تحت اسم "معارض الفن الحر".

اليوم تبدو "جماعة السورياليين" ضرباً من "الزمن المصري الجميل". استمرّت تجلّياتها إلى منتصف الستينيات، لكن بعض مؤرّخي الفن يؤكّدون أن نهايتها الحقيقية كانت بعد الحرب العالمية الثانية. يرى بعضهم أنها أخفقت في الوصول إلى المصريين، رغم تبنّيها قيماً إنسانية وشعارات ثورية، فيما يربط آخرون أفول نجمها بفترة حكم صدقي باشا التي شهدت تضييقاً على الحريات بكلّ أشكالها. في تلك الفترة، اعتُقل وحوكم قرابة 200 كاتب وفنان، من بينهم رمسيس يونان نفسُه.

في محاولة لاستعادة تاريخ الجماعة وتجلّياتها في الحركة الفنية والأدبية المصرية، يأتي مؤتمر "السورياليون المصريون من منظور عالمي"، الذي تحتضنه القاهرة ابتداءً من اليوم، وعلى مدار ثلاثة أيام؛ مسلّطاً الضوء على طبيعة الحياة السياسية والثقافية في مصر خلال تلك الفترة.

يركّز المؤتمر، الذي ينظّمه "برنامج الثقافات البصرية" في "الجامعة الأميركية" في القاهرة و"معهد دراسات الحداثة المقارنة" في "جامعة كورنيل" في نيويورك و"مؤسسة الشارقة للفنون"، على إرهاصات السوريالية وتجلياتها الإبداعية في الأدب والفن والسينما في مصر، من خلال تاريخ "جماعة حنين"، بوصفها إحدى أبرز تجليات الحداثة في مصر بين الثلاثينيات والسبعينيات.

كما يتطرّق المؤتمر الذي يشارك فيه 28 فناناً وكاتباً وباحثاً من مصر وخارجها، إلى تأثيراتها على المستويين الفني والسياسي وامتداداتها على المستوى العالمي، وعلاقتها بروّاد السوريالية في الغرب، خصوصاً في فرنسا، إضافةً إلى واقعها ودورها الحالي في مصر.

شهد اليوم الأول جلستين، الأولى بعنوان "زمن السورياليين في مصر: لمحة تاريخية" لـ عماد أبو غازي والثانية "السوريالية في مصر: شهادة شخصية" لـ سمير غريب. ويضمّ برنامج اليوم الثاني ثلاث جلسات هي: "التنقيب عن المحفوظات: السوريالية المصرية في سياق تاريخي"، ويشارك فيها باتريك كين وهشام قشطة وأمينة دياب وعادل السيوي وبشير السباعي وهالة حليم، و"تفكير مقارن: السورياليات الأخرى، التعابير العالمية"، ويشارك فيها كلّ من: كلير ديفيس ومونشياد ديدييه ومونيك بلان وأليكسندرا سيغيرمان وتيري غايس وجيرارد إشينغ، و"السوريالية المصرية: فلسفتها، جمالها والتجربة الحداثية في الفن المصري"، ويشارك فيها كل من: أليكسندرا سيغيرمان ومي التلمساني وأمينة دياب وباتريك كين.

كذلك، يضمّ اليوم الأخير ثلاث جلسات، هي: "السوريالية المصرية والتاريخ المصري الحديث"، بمشاركة مالك خوري ومحسن ويفي وماريا غوليا ومي التلمساني، و"السوريالية المصرية: وجهات نظر نقدية وأدبية" لـ منى خازندار، و"وجهات نظر فردية: حول السوريالية المصرية"، بمشاركة جون كولومبا وعادل السيوي وصلاح وبهية شهاب.

المؤتمر هو خطوةٌ ضمن مشروع يهدف، حسب القائمين عليه، إلى "تسليط الضوء على قصة الجماعة السوريالية المصرية، الأقلّ صيتاً على الرغم من كونها الأوفر نشاطاً من بين كافة الحركات السوريالية خارج الغرب"؛ حيث يُتبع بمعرض متجوّل بعنوان "حين يصبح الفن حرية: السورياليون المصريون (1938 - 1965)"، والذي يُفتتح في الشارقة عام 2017، قبل أن ينتقل إلى مصر وبلدان من أوروبا وآسيا وأميركا.



اقرأ أيضاً: التنبيه من القذارة كنضال اجتماعي