"السلام الاقتصادي" يتقدم: صفقة المياه المحلاة نموذجاً

"السلام الاقتصادي" يتقدم: صفقة المياه المحلاة نموذجاً

19 يوليو 2017
الصورة
"قناة البحرين" تعزز السياحة بدولة الاحتلال الإسرائيلي(مناحيم كاهانا/فرانس برس)
+ الخط -
تعكف كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل حالياً على التفاوض من أجل إبرام اتفاقات حول تدشين مشاريع اقتصادية، بعضها بمشاركة الطرفين فقط، والبعض الآخر بمشاركة أطراف أخرى، لا سيما الأردن، على غرار مشروع "قناة البحرين" الذي يربط بين البحر الأحمر والبحر الميت.

وقد تبين أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هي القوة الدافعة نحو إنجاز هذه المشاريع، ضمن استراتيجية "السلام الاقتصادي"، الهادفة إلى تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين كبديل عن حدوث تقدم على صعيد التسوية السياسية لقضية الشعب الفلسطيني. فبرعاية المبعوث الأميركي، جيسون غرينبلات، تم الخميس الماضي التوقيع على اتفاق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل يسمح للجانب الفلسطيني بشراء المياه الذي ستنتجها محطات التحلية التي سيتم بناؤها في إطار مشروع "قناة البحرين". ويضمن الاتفاق أن تتمكن السلطة من شراء 32 مليون متر مكعب من المياه التي ستنتجها محطات التحلية التي ستدشن في تخوم مدينة العقبة الأردنية.

وقد تبدو المفارقة كبيرة عندما تبين أن مشروع "قناة البحرين" سيسهم بشكل كبير في تمكين إسرائيل من تهويد الضفة الغربية وإحكام سيطرتها عليها، إذ إن حصة إسرائيل من المياه العذبة التي ستنتجها محطات التحلية في مدينة العقبة ستتوجه إلى المستوطنات المقامة في منطقة "غور الأردن"، التي تشكل حوالى 28 بالمائة من مساحة الضفة الغربية. وهذا ما سيمكن إسرائيل من توسيع المستوطنات القائمة هناك وبناء المزيد منها، مع العلم بأن هناك شبه إجماع داخل إسرائيل على ضرورة الاحتفاظ بهذه المنطقة بوصفها توفر عمقاً استراتيجياً للكيان الصهيوني.



في الوقت ذاته، فإن هذا المشروع سيعزز العوائد الاقتصادية للاستيطان من خلال إحياء البحر الميت، الذي تراجع مستوى المياه فيه، من خلال ضخ مياه البحر الأحمر إليه عبر "قناة البحرين". ومن شأن ذلك أن يعزز السياحة ويسمح بتواصل المشاريع الاقتصادية التي دشنتها إسرائيل في الأراضي المحتلة والمرتبطة بالبحر الميت. ويذكر أن كلاً من الأردن وإسرائيل ستشرعان قريباً في المرحلة الأولى من تدشين "قناة البحرين"، والتي تقوم على بناء محطات التحلية، على أن يتم بعد ذلك ضخ مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت.

ويعتبر التوجه نحو تعزيز "السلام الاقتصادي" العمود الفقري لاستراتيجية إدارة ترامب في تعاطيها مع القضية الفلسطينية. وقد ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أخيراً أن الإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأنه في ظل التباعد الكبير في مواقف الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن أقصى ما يمكن إنجازه هو العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين، وأن تحفيز تدشين المشاريع الاقتصادية هو إحدى الوسائل لضمان دور ومكانة الولايات المتحدة في المنطقة.

وتندرج في إطار مشاريع "السلام الاقتصادي" الاتفاقات التي توصلت إليها إسرائيل والسلطة الفلسطينية أخيراً بشأن تدشين محطة تحويل الكهرباء وبناء مناطق صناعية في مناطق متفرقة في الضفة الغربية. ويتضح أنه يتم تصميم المشاريع الاقتصادية لضمان تعزيز ارتباط اقتصاد السلطة الفلسطينية بالاقتصاد الإسرائيلي. وعلى الرغم من الضجيج الذي أثارته إسرائيل والسلطة حول مشاريع الطاقة التي تم التوقيع عليها أخيراً، وتلك التي سيوقع عليها لاحقاً، إلا أن أياً من هذه المشاريع لا يمنح السلطة الحق في إنتاج الكهرباء بشكل مستقل، بل يسمح فقط بزيادة إمدادات الكهرباء التي يتم شراؤها من إسرائيل والتي تتطلب بناء محطات لتحويل التيار الكهربائي.

ومما يشير إلى أن السلطة الفلسطينية باتت تسلّم بتدشين المشاريع الاقتصادية كبديل، ولو مؤقت، عن المسار السياسي الهادف إلى تسوية الصراع، حقيقة أن السلطة ظلت على مدى الأعوام الثلاثة ترفض بإصرار التعاون مع كل من إسرائيل والأردن في مشروع "قناة البحرين" بسبب خشيتها من تداعياته. وهناك تقديرات بأن التفاهمات التي توصلت إليها حركة حماس مع كل من مصر وتيار القيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، قد زادت من وتيرة استعداد السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، للتعاون مع استراتيجية "السلام الاقتصادي". فقد أضعفت هذه التفاهمات مكانة السلطة وباتت تهدد قيادة عباس.

إلى جانب ذلك، كلما ازداد ارتباط قطاع غزة بمصر، وهو ما تكرسه تلك التفاهمات، بات بإمكان تل أبيب التذرع بأن الحديث عن الضفة والقطاع كوحدة سياسية لم يعد واقعياً، وينسف بالتالي مسوغات تطبيق "حل الدولتين". ويشار إلى أن أول من طرح فكرة "السلام الاقتصادي"، كان اليمين الإسرائيلي، وتحديداً حزب "الليكود" الحاكم عام 2008.

المساهمون