"الرقصة الأخيرة" ومايكل جوردن... ارتقاء الثور رقم 23

26 مايو 2020
الصورة
قاد الفريق لستة انتصارات أدخلته تاريخ كرة السلة (Getty)
ما من أحد لا يعرف مايكل جوردن. قد يبدو هذا تعميماً مبالغاً فيه، لكن جوردن، نجم كرة السلة الأميركي، هو الأشهر عالمياً، واسمه مألوف بالنسبة لأي أحد مطّلع أو هاوٍ لهذه اللعبة، بل إن جسده نفسه تحول إلى أيقونة تبنتها علامة نايكي الرياضية. لكن، وراء النجم الذي يتردد اسمه دوماً، هناك حكاية عن مؤسسة بأكملها، وقصة بطولة فرديّة رومانسيّة تمكن عبرها جوردن من تحويل غريق "شيكاغو بولز" إلى واحد من أقوى الفرق في تاريخ الـNBA حتى الآن. سطوة النجم والفريق الذهبيّ نتتبعها في وثائقي "الرقصة الأخيرة" الذي بثته نتفليكس أخيراً، وأنتجته بالتعاون مع شبكة ESPN الرياضيّة. عشر حلقات ملهمة عن لعبة غزت العالم، ونجم أحيا مدينة وصراعات إدارية تختفي وراء ركض اللاعبين جيئة وذهاباً في الملعب. 
يركز المسلسل على مايكل جوردن وانضمامه إلى فريق "شيكاغو بولز" عام 1984، وقيادته الفريق إلى ستة انتصارات جعلته يدخل تاريخ كرة السلة، بوصفه نجماً لم يصل إلى مستواه أحد. لكن وراء هذا التاريخ العلنيّ، نتعرف في الوثائقي إلى علاقة جوردن مع زملائه ومدربيه، وإصراره كل عام على الانتصار مهما كان الثمن، حتى لو اقتضى الأمر أن يلعب "وحيداً". تحوّل الأمر إلى صراعات مع زملائه الذين اتهموه أحياناً باحتكار النجاح لنفسه، مهملاً جهود لاعبين كـ سكوتي بيبن ودينيس رودمان. كذلك نرى خلال الحلقات كيف تغير أسلوب لعب كرة السلة بسبب "شيكاغو بولز"، ونظرية فيل جاكسون في الدفاع المسمّاة بـ"المثلث". نتعرف أيضاً إلى المشكلات الإدارية بين الفريق وصاحبه الذي يتم التعامل معه كأضحوكة في السر والعلن.
انتصارات "الثيران" المتتالية وأداء جوردن شديد الاحتراف يتركنا أمام صورة تثير الإعجاب عن التفاني في سبيل اللعبة. هناك وعي بالجسد واللعب لدى جوردن يجعله لاعباً لا مثيل له، وهذا ما نتلمسه حين يتحدث عن التمرين، وحين نشاهد الصور التي تبث لأول مرة من التدريبات؛ فجوردن الذي كانت له أيضاً الكلمة الأخيرة في ما يخص تحرير ومونتاج المسلسل، أشبه بماكينة مصممة لتفوز، سواء بكرة السلّة أو الرهان أو البيسبول التي لعبها لمدة عام. هذه العقلية قائمة على الانضباط الشديد والتركيز على هدف واحد، وأخذ كل "لعبة" على مستوى شخصيّ، خصوصاً أن جوردن يعلم أنه أفضل لاعب في العالم، وعليه أن يقدم في كل لعبة أفضل ما لديه، فهو ملتزم أمام الجمهور والمتابعين بأن يكون على المستوى المعهود، وإلا لما كان أسطورة حيّة، أو "المسيح الأسود" حسب ما ينعته المعجبون به.

يظهر في الوثائقي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ليتحدث عن تأثير جوردن على الثقافة السوداء من جهة، والشهرة العالميّة التي بلغها جوردن، فهو واحد من أولئك الذين حولوا الهامش والصورة النمطيّة المرتبطة به كشاب أسود يتقن كرة السلّة إلى علامة تجارية عالميّة، موظفاً المهارة والاستعراض لفرض الثقافة السوداء. مع ذلك، هناك بعض الانتقادات التي وجهت لجوردن بسبب ابتعاده الكليّ عن السياسية وعدم دعمه لأي مرشح سياسي من ذات لون بشرته، وكان جوابه حين سُئل عن ذلك أنه لاعب كرة سلة وليس رجل سياسية، ويكفي ما يفعله في الملعب.
وجه بعض زملاء جوردن انتقادات للوثائقي لأنه يركز عليه فقط، ويتبنىّ رؤيته الخاصة لمفهوم الانتصار، خصوصاً أن الوثائقي يكشف لنا عن الوجه الآخر لـ جوردن؛ هو عنيد، وقاس على زملائه، يطلب منهم أن يكونوا على المستوى المطلوب، ألا وهو اللعب كأنهم أبطال. نكتشف مع ذلك في الوثائقي بعض الإشاعات التي لاحقت جوردن، كإدمانه المراهنات وخسارته لمبالغ كبيرة، كذلك يوضح لنا الفيلم أن اعتزاله لم يكن عقوبة سريّة له بسبب المقامرة، إذ نفى ذلك هو شخصياً ورئيس الاتحاد الفيدرالي لكرة السلة، وحقيقة ما حصل هو أن جوردن وبعد مقتل والده، تعرض لصدمة عاطفيّة له جعلته يتوقف عن اللعب لمدة عام ونصف.
لا يمكن بعد مشاهدة الوثائقي إلا الإعجاب بقدرة جوردن ومهارته وإتقانه لـ"صنعته"، ربما الوثائقي قدمه كذلك، وربما أيضاً هو رياضي من الطراز الرفيع؛ يصرح زملاؤه بأنهم يهابونه إذ تحيط به هالة مرعبة.
هناك غواية تحيط بجوردن ورغبة عميقة بالتمثّل به، بأن يكون الواحد منا، حسب تعبير أحد الصحافيين الرياضيين: "حاضراً طوال الوقت في ذات المكان"، وواعياً بما يحدث بدقة ومتهيئاً. أشبه بأولئك الذين يمارسون اليوغا لسنوات كي يصلوا إلى هذه المرحلة العقليّة.
الجدير بالذكر أن عنوان الوثائقي "الرقصة الأخيرة" مستمد من الخطة التي وضعها المدرب فيل جاكسون، ذلك بعد أن أخبرهم صاحب الفريق بأن موسم 97-98 سيكون الأخير، وبعدها ستتم إعادة هيكلة الفريق، وخصوصاً الثلاثي بيبن وجوردن ورودمان، إذ لن تجدد عقودهم مع "شيكاغو بولز"؛ فبعد ما يقارب من 15 عاماً من الانتصارات، لا بد من "حل السلالة" و تفكيك المثلث الذهبي وإعادة بناء الفريق ضمن خطة ما زالت مستمرة حتى الآن.

دلالات

تعليق: