"الدوحة للكتاب": استضافة المجتمع ومفكّري التنوير

"الدوحة للكتاب": استضافة المجتمع ومفكّري التنوير

18 يناير 2020
الصورة
جناح "العربي الجديد" في المعرض (معتصم عبدو الناصر)
+ الخط -


تعكس الدورة الثلاثون من "معرض الدوحة الدولي للكتاب"، التي انطلقت في التاسع من كانون الثاني/ يناير الجاري في العاصمة القطرية وتختتم اليوم، نقلةً نوعية في مساريْن أساسييْن؛ الأول يتعلّق بالعمل على إيجاد أرضية لتطوير صناعة النشر العربية، والثاني من خلال تعميق برنامجه وتنويع فعالياته ضمن تخطيط مدروس يُشرك مؤسّسات وفاعلين ثقافيّين من مختلف بلدان العالم.

التظاهرة التي تأسّست عام 1972، شهدت عدّة محطات للنهوض بها مع ازدياد حجم المشاركين؛ ناشرين وضيوفاً، في العقدين اللاحقين، وصولاً إلى انتظام انعقاده سنوياً منذ 2002، بعد أن كان يُقام مرّةً كلّ سنتَين، واتخاذه الصفة الدولية أيضاً، ثم انتقاله إلى "مبنى المعرض الجديد" في 2007 على مساحة تُقدّر بخمسة عشر ألف متر مربّع.

ومنذ عام 2008، فعّل المعرض فقرة ضيف الشرف التي درجت في ذلك الوقت ضمن الفعاليات القارة لأبرز معارض الكتب في العالم؛ فاستضيفت بلدان كثيرة بدءاً بالولايات المتّحدة الأميركية وصولاً إلى استضافة فرنسا هذا العام، وهي المرة الثانية التي تستضاف فيها فرنسا بعد سنة 2009، وتضاعفت مساحة العرض منذ الدورة السابقة لتصل إلى 29 ألف متر مربّع في "مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات"، ما يتيح مشاركة ثلاثمئة وخمس وثلاثين دار نشر تعرض قرابة مئة ألف عنوان.

على صعيد النشر، شهدت الدورة الحالية إطلاق "برنامج زمالة الدوحة للناشرين" بمشاركة خمسين ناشراً من 22 بلداً، وهو برنامج يوفّر نظاماً إلكترونياً متطوّراً يتيح لصنّاع الكتب تبادل الأفكار حول قضايا عديدة؛ مثل حقوق النشر وإبرام الاتفاقيات والعقود بينهم، وتكوين علاقات مهنية، وتشكيل أساس معرفي وإطار استرشادي لسوق الكتاب، وإنشاء ملتقى لتبادل الخبرات في مجال هذه الصناعة، والاطلاع على الجهود المبذولة لتطويرها.

أما البرنامج الثقافي، فقد استند خلال الدورة الحالية إلى ركائز متعدّدة، مستفيداً من حضور ضيف الشرف بالتزامن مع انطلاق "العام الثقافي قطر - فرنسا 2020"؛ حيث صُمّمت ساحةٌ فرنسية تجمع بين المقاهي والمكتبات التي ترمز إلى بداية عصر الأنوار، ضمّت عدداً من الفعاليات؛ من بينها معرض رقمي يحمل عنوان "التنوير.. إرث للمستقبل" يُقام بالتعاون بين "المكتبة الوطنية الفرنسية" و"مكتبة قطر الوطنية"، ويضمّ مختارات من المؤلّفات الكلاسيكية لعصر التنوير بإصدارات من كتاب الجيب لكلّ من دنيس ديدرو، وإيمانويل كانط، وجان جاك روسو، وفولتير وغيرهم، إلى جانب قصص مصوّرة، إلى جانب مؤلّفات قديمة من "مكتبة قطر الوطنية"، إضافةً إلى برنامج محاضرات وتواقيع كتب وعروض فنية فرنسية.

كما تعكس مجمل فعاليات البرنامج شعار المعرض "أفلا تتفكرون"، من خلال التركيز على "العلْم ودوره المركزي في تحديد السلوك الإنساني، والارتقاء بقدرات التفكير، وتنوير العقول بما تحتاجه من تصوّرات تغيّر نمط حياة الإنسان للأفضل"، بحسب رؤية المنظّمين، التي ترجمتها عناوين الندوات والمحاضرات التي خُصّصت لفعل القراءة، وأثر العمارة على الهوية، والعمل بوصفه وسيلة للتدافع الحضاري، ومعنى أن نفكّر نقدياً.

وانسحب ذلك بشكل رمزي على إطلاق أسماء شخصيات ثقافية على بوابات المعرض الخمس، على النحو التالي: يوسف بن عبد الرحمن الخليفي (1917 - 1989)، الذي يُعدّ من روّاد الأدب القطري، ومصطفى محمود (1921 - 2009)، الطبيب والكاتب المصري الذي تفرّغ لفهم صلات العلم والإيمان، وجان جاك روسو (1712 - 1778)، الفيلسوف الفرنسي الذي قدّم مقاربات أساسية حول طبيعة الإنسان والسلطة والتربية، ومواطنه الشاعر بول إيلوار (1895 - 1952) الذي يُعتبر من أبرز مجدّدي مفردات الأدب الفرنسي المعاصر، وعبد الله بن تركي السبيعي (1898 - 1967)، أستاذ الشريعة الذي كانت له مساهمات في النهضة التّعلمية في قطر.

وشارك "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، من خلال جناح يحتوي جميع إصداراته، منها كتابا "في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟" و"الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" للمفكر العربي عزمي بشارة، و"أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي - التلقي العربي للسانيات" للباحث التونسي حسين السوداني، و"بحر الصين الجنوبي: تحليل جيوبوليتيكي" للباحث دياري صالح مجيد، و"التراث المعجمي العربي (من القرن الثاني حتى القرن الثاني عشر للهجرة)" لعالم اللغة منير بعلبكي، و"التيارات السياسية في إيران: صراع رجال الدين والساسة" للباحثة فاطمة الصمادي، وقد نظّم حفلات إشهار لبعض من هذه المؤلفات.

أما صحيفة "العربي الجديد"، فقد حضرت بجناح تفاعلي في المعرض يتضمّن عروضاً حية، من خلال منهج تعليمي يعتمد على الممارسة والمشاركة والمتعة، كما يشمل الجناح على مركز إعلامي مصغّر لتعريف الزوّار بمهنة الصحافة وواقعها وتحوّلاتها وشرح بعض المفاهيم الإعلامية لهم، وإتاحة الفرصة لهم للتغطية الحيّة خلال فعاليات المعرض.

من جهة أخرى، تضمّن البرنامج ثلاث عشرة ورشة تدريبية، تتنوّع حقولها بين التربية والتنمية الذاتية ومجال القراءة وتطوير مهارات الكتابة واللغة، ومنها "ورشة التفكير طريق التغيير"، و"طفلي.. لا يقرأ.. اقرأ"، و"كيفية اختيار كتب نوعية للأطفال"، و"القراءة المفيدة"، و"فن الحوار"، إضافة إلى ورشتين لتطوير مهارات اللغة العربية بعنوان "أساسيات النحو" و"وسائل التواصل الاجتماعي والأخطاء اللغوية".

ونظّمت أيضاً مسابقة "أفلا تتفكرون" التي تتوجّه إلى جميع مدارس قطر الابتدائية الحكومية للصف الخامس والسادس، وتتكوّن من أربع مراحل، وهي: الدوري الثقافي، والمرحلة ربع النهائية، والمرحلة نصف النهائية، والمرحلة النهائية.

بهذا التنوّع، تبدو الدورة الجديدة من "معرض الدوحة الدولي للكتاب" - وهي تغلق أبوابها مساء اليوم - وقد أضافت خطوة جديدة في مسار تظاهرة باتت تملك من سنة إلى أخرى مقوّمات معرض بالمعايير الدولية وهو مما لا تزال المنطقة في حاجة إلى إرسائه خدمة للكتاب العربي وصناعته.

المساهمون