"الخيانة الزوجية" في المسلسلات

20 يونيو 2017
الصورة
الاعتراف بمشاكل الزواج خطوة لتغييره نحو الأفضل(جاي ديركتو/فرانس برس)



تتزاحم الأقلام في شهر رمضان على الكتابة عن المسلسلات التي ينشط سوقها، وتتدفق على الشاشات كالسيل الذي يصعب إيقافه. ومن أبرز المواضيع التي عرضت على الشاشات وطاولها النقد كانت الخيانة الزوجية.

أحد المسلسلات اللبنانية التي يقبل عليها الجمهور، ويطرح مسألة الخيانة الزوجية هو مسلسل "لآخر نفس"، متناولاً العلاقة بين الأزواج وكيفية التعامل معها والحكم عليها. طرح متقدم عمّا سبقه من أعمال، يضع علامة استفهام كبرى على "مؤسسة الزواج" ومدى نجاحها عموماً، والوظيفة المطلوبة من هذه المؤسسة التي تتحول مع مرور الوقت إلى مجموعة مهام يؤديها الأزواج بنجاح حيناً، وبفشل أحياناً، ومرات كثيرة بمشقة، تقودهما إلى ذلك مشاعر الواجب وليس الرغبة.

أحد المقالات الناقدة يدرج جملة من الأسباب على درجة من الأهمية تقود أي زواج إلى الفشل أو تجعله في مرحلة "السبات"، نقلاً عن لسان بطلة العمل عندما تشكو واقع زواجها، وعثراته التي منها التهميش الدائم لدورها، وروتين الحياة الممل، وجعل تربية الأطفال هي الهدف شبه الوحيد لدى الزوجين، وقبولها بالزواج لأنها شخصية تحب إرضاء الآخرين. المقال لا ينتبه لأهمية الأسباب التي أدرجها، بل يعتبر أن كاتبة المسلسل جعلت تلك الأسباب بمثابة "مبررات" للخيانة أو التفكير بها.

وحتى لا نحمل الدراما التلفزيونية مهاماً ليست من مهامها، فهي لا تحل إشكاليات مجتمعية نعيشها على الدوام، لكنها عندما تصوّب الأنظار عليها تكون بذلك دلّت على ما يحصل، بدل إغفال الأمر وكأنه لم يكن.

ومن المعروف أن أية منظومة قائمة أو مؤسسة تجتمع فيها أطراف ضمن خطة وأهداف واتفاقات، ومؤسسة الزواج إحداها، يكون نقيضها هو جزء منها وليس من خارجها. فالطلاق والخيانة والهجر وكل أشكال العلاقات المتاحة بين الأزواج، هي جزء من الزواج نفسه وليست أمراً دخيلاً عليه. كما هو الحال مع القاعدة وشواذها، فالشواذ هو جزء من القاعدة.

أما الهروب من طرح موضوع الخيانة الزوجية لا يعني أنها غير موجودة، وإظهار مؤسسة الزواج كما "يجب" أن تكون هو أمر مثالي لا نجد منه نماذج كثيرة في الحياة البشرية. وعرض نموذج مجتمعي شائك مثل الخيانة لا يعني القبول به أو الترويج له أو التشجيع على إباحته.

مع العلم أن مسلسلات كثيرة تناولت خيانة الرجل، لكنها كانت "تنساب" انسياباً لا يتطلب النقد أو الوقوف عنده. وتناولت أخرى خيانة المرأة التي صورتها دراما إجمالاً على أنها الشيطان الأكبر والذي ينال جزاءه في نهاية العمل حتى ترتاح الضمائر وتستقر النفوس.

نحن مجتمعات لا تدرس أحوالها، وتكتفي بالبحث عمّا يؤيد التعاليم والقواعد، لتثبت أنها جماعات تستحق التقدير. جامعاتنا ومراكز أبحاثنا على قلتها لا تجرؤ على دراسة الواقع الأسري العربي، ولا تفصّل حقائق عيشنا، لتساعدنا على إدراك واقعنا بشكل علمي وليس عاطفياً أو مبنياً على القيل والقال.

ولنفرض أن مسألة الخيانة الزوجية حالات فردية نادرة لأننا أقوام "شريفة" ولا تخون، وتسير على الصراط المستقيم، فعديد من الأفلام والمسلسلات الأجنبية تتناول هذا الموضوع كحالة فردية ونتقبلها ونقبل عليها. فما الخطأ في طرح هذه المسألة "لبنانيا".

من المهم التأكيد مراراً وتكراراً أن الكتابة عن موضوع ما، وإبداء الرأي فيه، وتناوله بأي شكل فني كان، لا يعني الترويج له وتأييده. ولكن علينا الاعتراف بما يدور في هذه الحياة على كوكبنا، لأن الاعتراف ربما يكون خطوة نحو التغيير إلى الأفضل.

مؤسسة الزواج كتب عنها مجلدات في التحليل والدراسة واستطلاعات الرأي، في المقلب الآخر من الكرة الأرضية طبعاً، لكنها بالفعل مؤسسة تحتاج دوماً إلى إعادة النظر بقوانينها والأحكام الملزمة للأطراف فيها. الزواج ليس مسألة بديهية، والالتزام بشروطه ليس من المسلمات، هو اتفاق يحتاج للتجديد على الدوام، يحتاج للثقافة الفردية والسعي لإنجاحه والإصرار على ذلك.

أما مسألة حلّ الخلافات الزوجية داخل الجدران قبل أن تتفاقم وقبل البحث عن الحلول خارج البيت، فهذا بدوره أمر تعجيزي لكثير من الأزواج، لأن من يملك حقاً مفاتيح الحل ويعالج كل مشاكله بالحوار والنقد والأخذ والرد مع احترام كل طرف للآخر، هم ليسوا الأكثرية، بدليل التقارير التي تشير إلى ارتفاع معدلات الطلاق في بلداننا.

وبالعودة إلى المسلسل بالذات، فأن تلتقي امرأة مضى على زواجها سنوات طويلة بشخص تنجذب إليه وتغرم به ليس مستحيلاً، بل يمكن أن يحصل. قد تكون "مشكلة" المسلسل أنه يقول الأفكار الخفية بصوت مرتفع، يصرّح علناً بما يجب أن يبقى في حدود الهمس فقط. وفي النهاية لا أحد يولد خائناً بالفطرة، أو يعيش حياته واضعاً نصب عينيه ارتكاب فعل الخيانة، هو نتيجة لأسباب ربما تساهم مناقشتها أو مجرد عرضها في جعل الزواج وصعوباته وفشله مادة للحديث داخل البيوت.

المسلسل تناول إشكاليات عدة تستحق الوقوف عندها، لكن يبقى المحور الأساس فيه الخيانة الزوجية، التي تقف خلفها بالضرورة وبالدرجة الأولى مؤسسة الزواج، قبل أي عامل خارجي آخر.