"الحياء" الإعلامي بعد "شارلي إيبدو"

"الحياء" الإعلامي بعد "شارلي إيبدو"

28 يناير 2015
الصورة

متضامنة مع شارلي إيبدو في باريس (8 يناير/2015/أ.ف.ب)

+ الخط -

رجّح تصريح البابا فرنسيس عن الاعتداء الإرهابي على المجلة الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" كفة دعاة ضرورة تقييد حرية الرأي، عندما تتناول السخرية "المهينة" من الأديان، في قوله إن حرية الرأي لا تشمل حق الإهانة وجرح مشاعر المؤمنين. ومضى البابا مقدماً مثالاً بسيطاً، قائلاً إنه إذا ما شتم صديق والدته فإنه قد يلقى منه لكمة رد فعل طبيعي. في ما يتعدى ما قد يفهم على أنه تبرير مبطن للعنف، رداً على السخرية المهينة للمشاعر الدينية، يعجز المثال التبسيطي الذي يقدمه الحبر الأعظم عن اختصار أهمية قضية "شارلي إيبدو" وتعقيداتها، بما تمثله من صراع بين مثل فرنسا العلمانية وغربة جالياتها المسلمة عنها، ومكانة حرية التعبير وتفسيراتها المتناقضة في الغرب. وكان مفتي مصر قد حذر، في وقت سابق من نشر رسوم جديدة متهكمة بالإسلام، معتبراً أنها "فعل عنصري".

لا يشكل موقف البابا خروجاً عن مواقف الكنيسة المحافظة، وهي التي طالما كانت أحد أبرز أهداف سخرية "شارلي إيبدو"، ولا تحمل تناقضاً مع مواقف الكنيسة السابقة من السخرية من الأديان. غير أن التصريح أعاد رسم الحدود الفاصلة بحدة بين معسكري القضية الجدلية: دعاة حرية بلا حدود سوى المحاسبة القانونية اللاحقة، ودعاة "الحياء" في التعاطي مع انتقاد الأديان أو السخرية منها، ما سيستتبع بشكل طبيعي تفادي انتقاد المؤسسات الدينية. وكانت دعوات التحذير من "استفزاز" المشاعر الدينية قد اتسعت أخيراً، ومعها أكثر من 17 ألف رسالة "تمجد الإرهاب" على وسائل التواصل الحديثة، بحسب الشرطة الفرنسية. تزامن ذلك مع تشدد المعسكرين في معاقبة المخالفين، فرض عقوبات مشددة على التعبيرات التي تعتبر مهينة للأديان، ومنها، مثلاً، الحكم بـ"الصمت" على الموسيقي التركي، فاضل ساي، لتغريدات اعتبرت مسيئة للإسلام. ويواجه الموسيقي عقوبة السجن عشر سنوات مع وقف التنفيذ، إلا في حال كرر فعلته في فترة خمس سنوات. في المقابل، أطلق القضاء الفرنسي ملاحقات بحق الكوميدي الفرنسي من أصول مهاجرة المثير للجدل، ديودوني، لتعبيره عن التضامن مع منفذ الهجوم على المتجر اليهودي على صفحته في "فيسبوك"، في ما اعتبر خروجاً عن نطاق السخرية إلى التحريض ومعاداة السامية. وتشددت بلديات فرنسية عديدة في فرض غرامات على منقبات خرقن الحظر الفرنسي على ارتداء النقاب الكامل في الأماكن العامة، بحسب القانون الفرنسي.

لن تنتهي ترددات قضية "شارلي إيبدو" في وقت قريب، ولن تقتصر على فرنسا. كما أن موجة الخوف من التعرض لاعتداءات، بسبب تناول موضوعات تعتبر مثيرة للجدل أو للإهانة، بدأت عوارضها في فرنسا نفسها، ومن ذلك إلغاء عروض مسرحية تعالج القمع الذي تتعرض له امرأة على يد زوجها في اليمن، أو وضع الكاتب المثير للجدل، إيريك زيمور، صاحب رواية "الانتحار الفرنسي"، تحت حماية الشرطة. ويتحدث الكاتب في روايته عن تراجع القيم الفرنسية، بسبب موجات الهجرة إلى فرنسا. في الجانب الأنجلوساكسوني، سوف تساهم ترددات قضية "شارلي إيبدو" في تعميق "الحياء" الإعلامي في تناول شؤون المهاجرين المسلمين التي قد تثير "حساسية" هؤلاء، بما في ذلك قضايا، مثل ختان الإناث والعنف الجسدي ضد النساء، وغيرها مما لا يتناوله هذا الإعلام عادةً إلا لماما.

يساهم في ترسيخ هذا "الحياء" الإعلامي تحول قضية "شارلي إيبدو" من نقاش قضايا الحريات والحق في السخرية وإدماج المهاجرين ومكانة الدين في المجتمعات الليبرالية إلى التركيز على متابعة الإجراءات الأمنية لعملية مكافحة الإرهاب، والتي سوف تشكل مجدداً العنوان الرئيسي للحدث في متابعة القضية، كما في تغطية أحداث العالم العربي.

 في ظل هذه الأجواء، لن يكون لنقاش الحريات، ومنها حرية التعبير المقدسة لدى بعض الغرب فحسب، سوى حصة قليلة من الاهتمام الإعلامي والسياسي على حد سواء. وسيجد "الحياء" الإعلامي أعذاراً مقبولة في عدم تناولها باعتبارها مسألة "ثانوية"، مقارنة بخطر الإرهاب المحدق بالمجتمعات الغربية. ويترتب على ذلك تراجع شهية الإعلام للتحقيق الاستقصائي والميداني، في حال شكل ذلك خطراً ما على الصحافي ووسيلته الإعلامية، أو سبب لهما "إحراجا"، بسبب تناول موضوعات تعتبر خارج إطار "التهذيب" الاجتماعي والسياسي في التعاطي مع قضايا المهاجرين المسلمين.

نشرت صحيفة "لو موند" الفرنسية، قبل أيام، تحقيقاً عن طلاب في مسجد باريس، يتلقون إعداداً ليكونوا أئمة المستقبل، يعبرون عن آرائهم في اعتداء "شارلي إيبدو". يعبر هؤلاء عن إدانتهم قتل البشر باسم الدين، إلا أنهم يقولون إنهم ليسوا مع حرية التعبير، وليسوا "مع شارلي" في ذلك. واللافت، بحسب التقرير، أن غالبيتهم يقدمون دليلاً على صواب وجهة نظرهم... تصريح بابا روما. ينقل التقرير عن أحد الطلاب قوله "أفضل جملة سمعتها، هذا الأسبوع، هي التي خرجت من فم البابا: لا يمكن للصحافة أن تقول كل ما تريد، هنالك أمور لا يجوز المساس بها". ويعلق التقرير: من كان يصدق أمراً كهذا؟