"الحكرة" تحوّل حياة مغاربة إلى جحيم

"الحكرة" تحوّل حياة مغاربة إلى جحيم

09 يناير 2018
الصورة
أحد المهمشين في البلاد (Getty)
+ الخط -
تُعاني مناطق عدّة في المغرب من التهميش، ولا يحصل سكانها على متطلباتهم أو أي اهتمام من الدولة. يعيشون في فقر وحرمان من أبسط حقوقهم. من هنا، انتشرت كلمة "الحكرة" في البلاد بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة. والحكرة(الاحتقار) شعور بالغبن والتحقير من قبل السلطات. وكثيراً ما انطلقت مسيرات وتظاهرات احتجاجية، وأزهقت أرواح وحصلت حوادث انتحار. كما أن هذا التحقير كان سبباً في إعفاء مسؤولين كبار في البلاد من مسؤولياتهم.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثيراً ما استخدم المغاربة كلمة "الحكرة"، وقد أصبحت تردّد في مختلف الوقفات والمسيرات الاحتجاجية. وبات مواطنون يُطالبون بالحماية من الوقوع تحت نيران "الحكرة"، وأن يُعاملوا بشكل عادل ومنصف. و"الحكرة" أو الاحتقار بات شعوراً اجتماعياً لدى الطبقات الاجتماعية المسحوقة بشكل خاص، والتي تشكو بسبب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. ولا خيار أمامها غير النزول إلى الشارع في بعض الأحيان. وقد يعمد البعض إلى حرق أنفسهم أو محاولة الانتحار.

وعرف المجتمع المغربي أشخاصاً عرّضوا أنفسهم للتهلكة والمخاطر، بسبب شعور "الحكرة". ورغم أنّ الأسباب والدوافع تختلف من حالة إلى أخرى، إلا أن نهايات هذه الحوادث تكاد تتشابه.

مي عيشة، وهي في العقد السادس، باتت أشهر من نار على علم في المغرب. قبل أشهر، تسلّقت عموداً كهربائياً مرتين وسط العاصمة الرباط، مهددة بالانتحار، بسبب شعورها بـ "الحكرة" على حد تعبيرها. وتعزو الأمر إلى عدم حصولها على حقها في المحاكم، وقد باتت مهددة بالطرد من منزلها وأرضها.

بعد مي عيشة، عمد مواطن آخر إلى تسلّق العمود، وبات يطلق عليه عمود المظالم، احتجاجاً على ما اعتبره تهميشاً في حقه. ولم ينزل من العمود إلا بعد وعد من السلطات بالنظر في ملفه، وإعادة "حقوقه المهدورة" إليه. وقبل هاتين القصتين، هزّت بائعة فطائر المغرب حين أقدمت على الانتحار، وقد شعرت بالغبن بعدما صادر أحد رجال السلطة عربتها، فما كان منها إلا أن أشعلت النار في جسدها.

وتكرّرت حوادث إشعال النار في الجسد في أكثر من مدينة في المغرب. ورغم اختلاف الأسباب، فما يجمعهم هو شعورهم بـ "الحكرة". واهتزّ المجتمع المغربي في أكتوبر/ تشرين الأول في عام 2016، لقي بائع السمك محسن فكري حتفه تحت جهاز فرم النفايات بعدما ابتلعت عربته، فاندلعت احتجاجات في مدن ومناطق عدة، ولم تهدأ إلا بعد اعتقال ناشطين في منطقة الريف، ولم تنته محاكمتهم بعد.

ويستمرّ الشعور بـ "الحكرة"، وحدث أن لقيت 15 امرأة في مدينة الصويرة حتفها بسبب التدافع الشديد، بهدف الحصول على مؤن غذائية، ما عدّه البعض إهانة وإذلالاً للفقراء. كذلك، شهدت مدينة جرادة مصرع شابين في بئر للفحم، فانتفضت المدينة ضد ما سماه السكان "الحكرة"، التي تتعرض لها هذه المنطقة المهمشة.

ويعزو محمد الرحماني، الذي سبق أن هدد بالانتحار نتيجة تعرّضه لظلم إداري، سبب إقدامه على هذه الخطوة غير محسوبة العواقب، إلى استنفاده كل السبل لإرجاع حقه. ويقول لـ "العربي الجديد" إنه حين يشعر المظلوم بأن جميع الأبواب صدت أمامه، وأن لا أحد يأبه لحالته لأنه ضعيف وفقير، يلجأ إلى مثل هذه الأفعال. فإما أنه ينتبه المسؤولون إليه ويحقق مسعاه، وإما تنتهي حياته ليكون عبرة للآخرين.

وأدى تكرار كل هذه الحوادث وغيرها في المجتمع المغربي إلى إطلاق مسيرات واحتجاجات ووقفات تضامنية عدة، إضافة إلى إنشاء جبهة ضد "الحكرة"، تضم نشطاء وجمعيات مدنية تناهض الفساد والظلم الاجتماعي. وقد أنشأت فروعاً في عدد من المدن لمواجهة مظاهر الحكرة في مختلف الجهات في البلاد.

ويقول عبد الله البقشيش، وهو ناشط اجتماعي لـ "العربي الجديد": "الحكرة شعور عام بدأ يسري بين الطبقات الاجتماعية المقهورة التي تنعدم لديها وسائل الدفاع عن الحقوق، فإما أن يلجأ أفرادها إلى الاحتجاج من خلال الصراخ، أو إشعال النار في أجسادهم"، لافتاً إلى أن الحكرة شعور مرّ لا يعرف حقيقته إلا من اكتوى به فعلياً. يضيف أن "الحكرة نقيض الكرامة الإنسانية والإنصاف الذي نص عليه الدستور المغربي، وبالتالي فمن يمارسون الحكرة على المواطنين إنّما يخرقون أسمى القوانين الوضعية والدينية والاجتماعية، وينتهكون حقوق الناس، ويعرضون المجتمع إلى خطر التصدع والانقسام".

دلالات