"الجيوش الصليبية": تأريخ من زاوية أخرى

10 يوليو 2020
الصورة
منمنمة تصور الملك فيليب الثاني يصل إلى شواطئ فلسطين في القرن الرابع عشر

كثيرة هي الدارسات والكتب والمؤلفات التي تناولت فترة الحروب الصليبية وراجعتها، ومع هذا الكم قد يبدو أن إضافة شيء جديد بخصوصها مستبعد وأن أي كتاب جديد سيكون صدى لتاريخ طويل من دراسات تلك الحروب، لكن يأتي المؤرخ البريطاني ستيف تيبل بكتاب جديد ليؤكد أن ما زال يمكن اكتشاف تلك الفترة من زاوية جديدة، فيخصص عمله "الجيوش الصليبية" الصادر مؤخراً عن "منشورات جامعة يال" لكتابة تاريخ جديد كبير للحروب الصليبية من زاوية استراتيجيات الحرب. 

يشرح الباحث كيف طورت الجيوش الغربية والمسلمة العديد من الاستراتيجيات المتطورة للغاية للهجوم والدفاع، والتي كانت تتغير وتأخذ أشكالاً جديدة خلال المعارك نفسها. ويعتمد في عمله على مجموعة واسعة من النصوص الإسلامية والأدلة الأثرية بالإضافة إلى المصادر الغربية الأكثر شيوعًا لتحليل استراتيجية الجيوش المعنية والتكيف والتطور والتنوع الثقافي وإظهار مدى تعقيد تلك الجيوش حتى بمعايير اليوم.

يذهب الكاتب الذي أعد أطروحته سابقاً حول "الساسية الداخلية للحروب الصليبية"، إلى اقتراح جديد، حيث يعيد الكتاب تقييم الحملات الصليبية بشكل أساسي من خلال الجدال  ضد العديد من الافتراضات السائدة عنها، ويسلط الضوء على التبسيط المفرط المستخدم عند مناقشة الحروب الصليبية ويشرحها بنظرة جديدة. 

الجيوش الصليبية
الجيوش الصليبية - القسم الثقافي

السؤال الأول الذي يطرحه تيبل هو "ماذا كانت الحملات الصليبية؟". الرواية المعاصرة السائدة هي أن الحروب الصليبية كانت معارك بين المسيحيين والمسلمين، تغذيها في المقام الأول دوافع دينية من كلا الجانبين، بينما يقول تيبل إنه لا ينبغي النظر إلى هذه الحروب باعتبار أن الدين الدافع الأساسي فيها، ويعرض أدلة تشير إلى أن السبب الجذري للحروب الصليبية يمكن العثور عليه في العوامل البيئية مثل الجفاف دفعت السلاجقة الأتراك بعيدًا عن مكانهم الأولي في السهول الأوراسية، فانتقلوا إلى الأراضي البيزنطية، مما أثار بداية نيران تلك الحروب، وعلى مدى التسعين عامًا التالية كان هذا هو محرك الصراع الأساسي بحسب الكاتب الذي يرى أن الدين كان يلعب دورًا ثانويًا.

السؤال الثاني الذي يقترحه تببل هو "من قاتل في صف الجيوش الصليبية؟"، يقول السرد الدارج بحسب الكاتب أن الجيوش الصليبية كانت تتألف في المقام الأول من فرسان الكاثوليك الأوروبيين، ويزعم الكاتب أن هذا ليس هو الحال، وأن الدول الصليبية كان لديها القليل من القوى العاملة، واحتاجت إلى كل المساعدة التي يمكن أن تحصل عليها. ونتيجة لذلك كانت جيوشهم تتكون من جميع أنواع الناس، بما في ذلك المسيحيين المحليين مثل الأرمن والعرب والسوريين واليونانيين والموارنة. حتى رماة الخيول التركية ، يشار إليهم باسم "Turcopoles" تم تجنيدهم للقتال وكانوا جزءًا كبيرًا من قوة القتال الصليبية.

يرى أن محرك الصراع الأساسي كان بيئياً وأن الدين كان يلعب دورًا ثانويًا

السؤال الأخير الذي يجيب عنه تيبل هو "ضد من قاتلت الحروب الصليبية". يجادل بأن الطريقة التي تكونت بها التصورات الحديثة للجيوش الصليبية غير صحيحة، كذلك تلك الشائعة حول الجيوش الإسلامية. الجيش الفاطمي المصري، على سبيل المثال، كان جيشًا يتألف من عدد قليل جدًا من المسلمين. وعلى الرغم من كونه جيش شيعي ظاهريًا، كان الجنود غالبًا من الأرمن المسيحيين والأفارقة المسيحيين. بالإضافة إلى ذلك ، يسلط الضوء على كيف أن الجيوش التركية والسورية التي واجهتها كان لديها اختلافات سياسية ودينية وعرقية أكثر بكثير من المعترف بها في كثير من الأحيان. 

عبر هذه الأسئلة الثلاثة، ومحاولة الإجابة عليها يبني الكاتب تحليلاً لتطور جيوش الفرنجة والمسلمين وتطور أنماط القتال وكشف الصورة النمطية التي يعتقد أنها غير صحيحة، ويتعمق في "سباق التسلح" الذي وقع فيه الطرفان خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر، مشيرًا إلى أمثلة من قبيل التحديث المستمر للأسلحة وبناء القلعة، ويخلص إلى أن جميع الجيوش في المنطقة كانت أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما يعترف به العديد من المؤرخين.