"الجزيرة المنخفضة": حيرة إسبانيا بعد فرانكو

27 يوليو 2015
الصورة
(من الفيلم)
+ الخط -

في آخر أفلامه "الجزيرة المنخفضة"، يحقّق المخرج الإسباني ألبيرتو رودريغيز معادلة سينمائية صعبة، ونجاحاً لم يكن يتوقّعه لا هو ولا المتابعون، سيّما بعد فوزه بواحدة من أهم الجوائز السينمائية في إسبانيا، إذ نال عشر جوائز "غويا" نهاية 2014، من بينها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج.

يعود رودريغيز في هذا العمل إلى وسائل فنية مألوفة في تجربته؛ بداية باختياره تصوير مشاهد الفيلم في مسقط رأسه (الأندلس)، حيث عمل هناك أيضاً في فيلمه السابق "الوحدة 7"، الذي عالج فيه محاولة فرقة شرطة تطهير شوارع مدينة إشبيلية من المخدرات.

وفي مسار سردي مشابه، يرسل في فيلم "الجزيرة المنخفضة" شرطيّين للتحقيق في اختفاء غامض لشقيقتين. هذا الثنائي لا يستطيع الانسجام في العمل، فكل منهما قادم من أيديولوجيا مختلفة تماماً عن الآخر؛ الأول (خوان/ الممثل خافيير غوتييريث) يبدو رافضاً التخلي عن الفكر العسكري الدكتاتوري، أما رفيقه (بيدرو/ الممثل راؤول أريفالو) فهو يمثّل الجيل الطامح إلى التغيير، الراغب في تحقيق الديمقراطية.

يستمر العمل بينهما على قضية الاختفاء التي جاءت بهما من العاصمة مدريد، حيث سيعثران لاحقاً على المفقودتين، لكن بعد أن قُتلتا بطريقة بشعة وغامضة. ومع استمرار سير الأحداث، تزداد القضية غموضاً وبعد بحث مضنٍ وصل بهما حد اليأس، يتوصّل المحققان في النهاية إلى القاتل وهو يحاول إضافة فتاة أخرى إلى لائحة ضحاياه.

رغم انطلاق الفيلم من فكرة قد لا تبدو جذابة (التحقيق في حادث قتل)، خصوصاً من حيث تكرارها في أفلام تجارية وغير تجارية، إلا أن العمل الفني الكبير لـ رودريغيز حمل القصة إلى مستوى فني أعلى، فقد أجاد كثيراً في معالجة فترة تاريخية مهمة من تاريخ إسبانيا؛ حيث عاد بنا إلى سنة 1980 وهي الفترة التي أعقبت سقوط حكم الجنرال فرانكو والانتقال الديمقراطي.

لم يعرض المخرج الكثير من التفاصيل التاريخية، بل جعل شخصيات معدودة تعبر عن اضطراب هذه المرحلة بالغوص في دواخلها والتعبير عن حيرتها في اختيار المصير الجديد وتقبّله، وتردُّدُها بين ألفة حياة القهر التي خبرتها بشكل جيد، وعجزها عن تحريك أقدامها نحو واقع آخر ظهر بوجه ديمقراطي. الخوف يمنعها من حسم مسألة الإيمان بالتغيير.

ظهر هذا الاضطراب لدى الكثير من الشخصيات الثانوية، لكنه بدا واضحاً لدى الشرطي خوان، الذي لم يكن مستعداً بعد للتخلي عن أساليبه القديمة في العمل، لكن حيرته دفعته أحياناً إلى اختيار طرق عمل ديمقراطية.

في نهاية الفيلم، نجده يمنع صديقه من تعنيف امرأة تخفي عنهما معلومات، ويدعوه إلى الحوار، ثم يضحي بنفسه في مشهد آخر من أجل إنقاد إحدى الضحايا. بينما يطّلع الشرطي الآخر على صور صديقه وهو يشارك في قتل المتظاهرين، في إشارة أراد المخرج أن يؤكد من خلالها صعوبة تحقيق التصالح مع الماضي.

لم يحتج المخرج الأندلسي إلى النزول للشوارع ونقل العنف والمظاهرات وإطلاق الرصاص، أي استحضار اللغة التي سادت في تلك الفترة، وهو ما كان سيحتاج ميزانية ضخمة لم تكن متاحة، بل اتخذ من لغته البصرية معادلاً فنياً لذلك.

ظهر الاضطراب في الشارع في كل كلمة من كلمات النص الذي كتبه المخرج بمساعدة السيناريست رفاييل كوبوس، الذي عمل معه في أفلام سابقة. وعرف الفيلم طريقه إلى المُشاهد من خلال مزيج الألوان القاتمة الذي كان يساير الحالة النفسية السائدة لدى الناس.

لا يتبنّى فيلم "الجزيرة المنخفضة" أي محاولة تخرجه عن إطار سينما المؤلف، أو الأفلام ذات الميزانيات المنخفضة، بل يقدّم نفسه داخل هذا النمط ومن خلاله يصنع سينما تراهن على الجانب الفني العالي.

المساهمون