"الجامعة الشعبية": المعرفة أفقياً وبلا شروط

14 فبراير 2016
الصورة
(تصوير: داود عبد المنعم فالح)

"الحقّ الكوني والمطلق في اكتساب وتبادل وتداول المعرفة النظرية والعملية بشتّى أبعادها دون أيّة معايير أو شروط إقصائية"، لعلّه حديث لا يختلف كثيرون عليه، لكن في ما عدا مستوى الاعتراف، يظلّ قليل التجسّد عملياً.

مشروع "الجامعة الشعبية - محمد علي الحامي" الذي أُعلن أمس عن افتتاحه، يطمح أن يكون إحدى وسائل تحقيق تداول المعرفة بلا شروط وتعميمها؛ إذ يحاول، كما جاء في ما سمّي بـ "الورقة الأولية" أن "يلبّي حاجة ملحّة إلى تبادل معرفي مغاير للتعليم النظامي المشرَّط باعتبارات سياسية واقتصادية"، في سبيل ألا تتحوّل العملية التعليمية إلى فعل هيمنة على الأجساد والعقول.

تكشف هذه "الورقة الأولية" أيضاً عمّا تزمع أن تقدِّمه "الجامعة الشعبية"، حيث أن جامعيين وفنانين سيتطوّعون لـ "توفير أدوات يتزوّد بها المتفاعلون ليعمّقوا أو يعدّلوا فهمهم لذواتهم وواقعهم والشبكات العلائقية المكوّنة" من خلال اختصاصات أساسية، مثل الفلسفة السياسيّة وعلم الاجتماع والجغرافيا الحضرية والاقتصاد السياسي والحقوق والتاريخ.

النواة الأولى للمشروع كانت في حي سيدي حسين السيجومي، في مقرّ كان مصنعاً صغيراً للملابس، وهي خطوة لا تخلو من دلالة؛ حيث الحي من أكثر مناطق العاصمة التونسية كثافة سكانية وفيه نسب عالية من الانقطاع عن التعليم.

المفكّر التونسي كمال الزغباني، أحد المساهمين في هذا المشروع، يقول في حديث إلى "العربي الجديد": "نطمح انطلاقاً من هذه النواة أن تنتشر الفكرة في أحياء شعبية أخرى وفي قرى ومناطق داخل البلاد".

تعتمد "الجامعة الشعبية على تطوّع كل من يستطيع تقديم إضافة معرفية أو فنية أو تنظيمية. وباعتباره أستاذ فلسفة في الجامعة التونسية، سيكون الزغباني من بين المشاركين في هذه الأعمال، لكنه يشرح "لن نقدّم الفلسفة بالطريقة التي نجدها في الجامعة، سنعتمد طريقة أفقية تتلاءم مع الفكرتين الجوهريتين للجامعة الشعبية وهما: التقاسم والقرب".

كثيرة هي العوائق التي قد تقف في وجه التجربة، منها الثقافة السائدة في المجتمع والتي ترسّخها وسائل الإعلام، وكذلك آفات كثيرة مثل الانحراف أو التطرّف. يرى الزغباني أن نفس هذه المعيقات سيجري تناولها في إطار محاولة فهم ودراسة من خلال مراكز دراسات ستنبثق عن "الجامعة".

تاريخياً، عرف العالم تجارب مشابهة، لعلّ أقربها إلى أذهان مطلقي "الجامعة الشعبية" في تونس، هي تجربة حدثت في المغرب منذ أكثر من عقد، قبل أن تتحوّل إلى صيغ أخرى ويجري الالتفاف عليها كما يشير إلى ذلك الزغباني مستشهداً بتجارب أخرى نظّمت في البرازيل وساحل العاج، وهي بحسبه قد عرفت "مصائر مختلفة بمصائر الناس".

يرتبط المشروع باسم محمد علي الحامي (1890 - 1928)، في ما يشير إلى استئناف مشروع هذا الأخير حيث يمثّل نموذجاً لفكرة "الجامعة الشعبية"، باعتبار أنه من عامل بسيط تمكّن خلال إقامته في ألمانيا أن يزاول تعليماً جامعياً غير مشروط بشهادة ليدرِّس الاقتصاد السياسي، وحين عاد إلى تونس، أسّس نقابة ودعا إلى التثقيف العمّالي.


اقرأ أيضاً: المنتدى الاجتماعي العالمي.. عولمة مضادة