"التلقي العربي للسانيات": في أثر دي سوسير

09 ديسمبر 2019
الصورة
(فردينان دي سوسير)
+ الخط -

مثّلت اللسانيات كمشروع معرفي أطلقه عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير (1857 -1913) بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، منعطفاً ألفى بظلاله على كامل فروع العلم والأدب ومختلف أشكال البحث. وعلى الرغم من تأخّر وصول هذا الحقل المعرفي في العالم العربي، إلا أن الأخير تأثر هو أيضاً بهذا التحوّل.

في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "أثر فردينان دي سوسير في البحث اللغوي العربي - التلقي العربي للسانيات" (صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات")، يدرس الباحث التونسي حسين السوداني علاقة الثقافة العربية بالمنظّر السويسري مقيماً دراسته على فرضية مفادها دروس دي سوسير في اللسانيات بمنزلة كتاب سيبويه في النحو العربي القديم، ومن هناك يبدأ في تقصّى التلقّي العربي في كليته مزاوجاً بين مستويين من الاستقراء؛ جعل الأوّل للإلمام بالملابسات التي هيّأت لاطّلاع الدارسين العرب على النظريات والأفكار، وجعل الثاني للتَّفحّص الداخلي لأوْجُه تمثُّل الدارسين للنظريات وسياقات توظيفهم لها وكيفيات عرْضهم لأسسها.

حمل الفصل الأول عنوان "دروس فردينان دي سوسير بعد مئة عام"، وفيه يرسم السوداني خريطة زمنية لما بعد ظهور دي سوسير، وفق تصوّر تأليفي لحصيلة قرن من الدراسات اللسانية بعد ظهور دروس سوسير. يرى السوداني أن سوسير "وإن لم يكن اللغوي الوحيد الذي اهتدى في زمانه إلى ما ورد في دروسه من مفاهيم، فإنه استطاع أن يجعل قبل غيره، من هذه المعاني والأفكار، نظاماً دقيقاً منسجم الأطراف بعيد الغور".

أما الفصل الثاني فحمل عنوان "من نشوئية المعرفة اللغوية العربية المعاصرة إلى اكتشاف فردينان دي سوسير"، وفيه ينظُر السوداني في الملابسات التي مهدت لاندراج آراء سوسير في البحوث اللغوية العربية، باحثاً من خلال اللحظات السابقة لاكتشاف سوسير عن سبب تأخر الاهتمام بآرائه.

يجد المؤلف أن معطيات عديدة تضافرت لتؤخر اطّلاع العرب على آراء سوسير؛ تتمثّل في المشرق في التبعية إلى ما ساد في البحث اللغوي في الجامعة الألمانية، أما في المغرب العربي فإن واقع الاستعمار أرجأ اكتشاف سوسير إلى حين تأسيس الجامعة بعد الاستقلال.

خصّص السوداني الفصل الثالث، وهو بعنوان "الوصفية في البحوث اللغوية العربية المعاصرة"، لاستقراء ملابسات تبلور مقاربات وصفية عربية ناشئة بخلفية لسانية حديثة أو ناجمة عن تخلقات منهجية ذاتية. أما الفصل الرابع فقد كان بعنوان "من اكتشاف فردينان دي سوسير إلى نشأة المبحث الأسلوبي"، وفيه يبحث المؤلف في المعطيات التي هيأت لتحقيق وعي عميق بالمقومات النظرية للسانيات السوسيرية خلال أواخر ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. ففي خلال هذين العقدين، تضافرت معطيات عدة لخلق نقلة نوعية في وعي اللغويين العرب باللسانيات السوسيرية.

"تبلور الوعي باللسانيات السوسيرية والسعي إلى تقديمها تقديماً متّسقاً"، عنوان الفصل الخامس، وفيه يدرس الفترة الممتدة من نشأة المبحث الأسلوبي إلى ظهور الترجمات العربية الخمس لدروس سوسير، وتُعتبر هذه الفترة تتويجاً للمراحل السابقة؛ إذ تعددت خلالها أوجه تعامل اللغويين العرب مع آراء سوسير تقديماً وتوظيفاً ومُحاوَرة.

ويرصد الفصل السادس؛ "ترجمة دروس فردينان دي سوسير وإشكالية المصطلح اللساني"، تداول الجهاز المصطلحي السوسيري في البحوث اللغوية العربية مشيراً للتنامي الحاصل في وعي اللغويين العرب المعاصرين بالمصطلح السوسيري. وهو تنامٍ حاصل في مستوى الوعي بالمفهوم من جهة، وفي مستوى الأداة التوليدية من جهة أخرى.

"السوسيريات الجديدة" عنوان الفصل الأخير وفيه يدرس السوداني التلقّي العربي لسوسير في مطلع القرن الحادي والعشرين، أي في الفترة التي اتسمت باحتفال الأوساط العلمية العالمية بمئوية وفاة سوسير ثم مئوية ظهور كتابه، وتزامن ذلك مع ظهور مجموعة أخرى من بحوث سوسير.

المساهمون