"البروفيسور": ساعات درامية مجانية

09 ابريل 2020
الصورة
افتعال في الأحداث بشكل غير منطقي (Getty)
+ الخط -
حين صدر الموسمان الأول والثاني من المسلسل الإسباني La Casa de Papel ("البروفيسور")، في أواخر 2017، كان يمتلك عدة مميزات جعلته يحقق شعبية جارفة؛ أهمها الإيقاع السريع الذي لا يتوقف، وألعاب الذكاء المثيرة والالتواءات الدرامية غير المتوقعة، وكذلك الشخصيات الجذابة المختلفة التي نكتشفها أكثر فأكثر. كان من المفترض حينها أنه "مسلسل قصير" مغلق الأحداث، عن عملية سرقة، ولكن نجاحه جعل شبكة "نتفليكس" تشتري حقوق إنتاجه وتمده لمواسم جديدة، وهنا بدأت المشاكل، وبدأ فقدان المسلسل البطيء لكل مميزاته السابقة، لأن الهدف لم يكن صنع "موسم" جديد، ولكن مَد الأحداث إلى أقصى عدد ممكن من المواسم!
في الموسم الثالث، الذي صدر في يوليو/ تموز الماضي، كانت الأمور مقبولة نسبياً، أقل قطعاً من أول جزأين وافتقدت الأحداث الكثير من تفاصيل منطقها المتماسك، ولكنه ظل ممتعاً ومشوقاً، ومدخل العملية كان ذكياً. في الجزء الرابع الجديد، الذي عُرض على "نتفليكس" مع بداية الشهر الجاري، بدا وكأنه مسلسل آخر مختلف؛ فأولاً لم تعد الأحداث سريعة أبداً، بل وتصل بعض المشاهد لدرجة الملل أحياناً، سواء لبطء الاستنتاجات وحركة الدراما للأمام (قياساً على أول ثلاثة أجزاء على الأقل)، أو للاستعانة المفرطة والفائضة بالفلاش-باكات التي لا تضيف أي شيء، لا على مستوى كشف جديد ولا حتى علاقة الشخصيات في ما بينها، فكل شيء مؤسس وواضح ولكننا نعود للوراء ولمشاهد رتيبة فقط لأن المطلوب هو ساعات درامية أكثر.
الأمر الثاني، الذي كان مشكلة فادحة في الموسم الثالث وتضاعف في الرابع، هو افتعال الصدامات العاطفية بين الشخصيات من أجل تعقيد الموقف أكثر، وإن كان الأمر قد اقتصر سابقاً على علاقة طوكيو وريو أو البروفيسور ولشبونة، فقد امتد في الجزء الرابع ليشمل دينفر وستوكهولم أيضاً، في مثلثات ومربعات عاطفية ومساحات من الشك والغيرة والتداخلات من الصعب استيعابها في إطار عملية سرقة بنك قد تكلف الشخصيات حياتها! المسلسل يتعامل مع البعد العاطفي بمعزل عن المنطق، ويتصرف الجميع بشكل مجنون وأهوج فقط لنصل إلى مواقف أكثر تعقيداً.
يعاني الموسم الجديد كذلك من تغير في "نوع" المسلسل بالكامل. لم يعد الأمر، تحديداً في الحلقات الست الأولى، يدور حول ألعاب ذكاء ومطاردة قط وفأر بين الشرطة والبروفيسور، ولكنه تحول إلى "إثارة" ومطاردات داخلية، وهو تغير حتى لو كان مقبولاً في ذاته، فإن تنفيذه غاية في الضعف! سواء في المشاكل بين المجموعة والتصرفات الغريبة التي يقوم بها باليرمو، ثم الأهم حين تهرب شخصية جانديا وتتحول لعنصر ثالث في الصراع من دون مبرر حقيقي سوى فراغ صناع المسلسل من الحِيل والأحداث في خطوطه الرئيسية، لتظهر مشاكل أكبر مع جانديا لها علاقة بأنه شخصية ببعدٍ واحد، لا نفهم ما الذي يريده وما الهدف الذي يحركه ولماذا يرغب في قتل شخصيات المجموعة بتلك الرغبة الانتقامية؟ يبدو مجرد شرير مجنون كأحد خصوم أفلام الدرجة الثانية في هوليوود الثمانينيات، ولأننا في 2020 يكون هذا الخط برمته، والذي يصبح الأهم في الحلقات الأخيرة، أضعف ما في أجزاء المسلسل الأربعة. وحين نصل لآخر حلقتين، وحتى مع تسارع الإيقاع الشديد، وبعض الالتواءات والمفاجآت التي تعيد المسلسل لصورته الأصل، ولكن تظل مشكلة افتقاد المنطق ودفع الكثير من الصدف للحدوث بشكل متعمد ومتتال من أجل أن نصل لطريقٍ واحد.
حين نصل للمشهد الأخير، نكتشف أن الموسم الرابع ليس تتمة لأحداث الثالث كما كنا نعتقد، ولكن لا تزال هناك 8 حلقات أخرى وجزء خامس. يبدو ذلك تفسيراً واضحاً لكل مشاكل المسلسل منذ شراء "نتفليكس" لحقوق إنتاجه، فحين يكون الهدف الوحيد هو إنتاج حلقات ومواسم أكثر فإن الدراما تفقد الإيقاع والمنطق والمتعة وتذهب الأحداث في مسارات ضعيفة من أجل التطويل فقط.

المساهمون