"الإنسان العاري": سلطة المعلومات ومتاهة المستهلكين

06 نوفمبر 2019
الصورة
(من شريط رسوم متحركة لـ ستيف كوتس)

في أيار/ مايو الماضي، بدأت شركة "سباير إكس" بتنفيذ برنامج "ستار لينك" عبر إطلاق صاروخ "فالكون 9" حاملاً أول دفعة تضم ستيّن قمراً صناعياً صغيراً إلى مدار منخفض حول الأرض لتوفير الإنترنت في أنحاء العالم. وقبله تحدّث مدير شركة "فيسبوك" مارك زوكربيرغ عن مشروع "لون"، وكانت غايته ربط الأربعة مليارات نسمة من البشر الذين ما زالوا محرومين من الإنترنت، من خلال فكرة إطلاق أحد عشر ألف بالون من الليتيوم في الفضاء. لنتساءل، لماذا يفكر هؤلاء بتوفير الإنترنت المجاني لكل الناس أينما كانوا في أي جزء من هذا العالم؟

يقدّم لنا كتاب "الإنسان العاري.. الدكتاتورية الخفية للرقمية" لـ كريستوف لابي ومارك دوغان عناصر إجابة عن هذا السؤال، وهو عمل صدر بالفرنسية في 2016، وصدر مؤخراً بالعربية عن "المركز الثقافي للكتاب" بترجمة أنجزها الباحث المغربي سعيد بنكَراد.

يحدّثنا المؤلفان عن عالم البيغ داتا (ويقصد بها كل المعطيات التي يتركها المبحرون في الإنترنت عبر فيسبوك وغوغل وأبل وأمازون وتويتر، والتي تجمع لاحقاً ويتم تمريرها لمؤسسات استخباراتية أو شركات تجارية). تهدف هذه الشركات العملاقة من خلال مشاريع كثيرة أن تجعل كل الناس متصلين بالإنترنت طول الوقت، فهذا ما يسمح لها بأن تحوّل أي فرد إلى مستهلك يمكن بيعه أي شيء في أي وقت عبر الإنترنت.

ومن الطرائف التي ينطلق منها الكتاب أن "البيغ داتا تسعى للتغلّب على النوم" على اعتبار أن هذا الأخير يمثّل فترة فراغ لا يمكن فيها للإنسان أن يكون مستهلكاً. وفي سبيل ذلك تجري دراسة طائر يُدعى الشرشور يعشّش في غابات أميركا الشمالية يتميز بقدرته أن يظل يقظاً لمدة سبعة أيام. وقد سبق لوزارة الدفاع الأميركية أن أبدت اهتمامها بهذا الطائر ضمن محاولة توفير جنود لا ينامون ويظلّون جاهزين للتدخّل على مدار أربع وعشرين ساعة، ولا يخفى أن الشركات العملاقة كثيرة التعاون مع البنتاغون في عدة مجالات بحثية منذ عقود طويلة.

يقول المؤلّفان: "يعدّ نومنا بالنسبة للشركات الرقمية الكبرى وقتاً ميتاً"، فهو خارج الاتصال ولا يدرّ أي أرباح عليها. تحلم هذه الشركات بمستهلك مرتبط بالإنترنت طول الوقت، بل ويهمها أيضاً أن يطول عمر هذا المستهلك، لذا تسعى بعض الشركات لرعاية المستهلك وتمديد سنوات حياته، وبالتالي إطالة عمره الاستهلاكي، وقد صرّح أحد مؤسّسي "غوغل"، لاري بيغ، في وقت سابق بأن "غوغل تريد القضاء على الموت" وقد أسس شركة باسم "لايف كومبني"، وخطتها هي تمديد الأمل في الحياة بعشرين عاماً إلى حدود 2035، من خلال محاربة الأمراض حتى قبل أن يكون هناك أي أعراض.

يحاول الكتاب كذلك تسليط الضوء على إمكانات هذه الشركات في اختراق حياتنا الشخصية، ومعرفة كل شيء عنا. يذكر لنا المؤلفان هنا يانيك بولوري، وهو رئيس مجموعة هافاس (مجموعة متخصصة في التواصل وميدان الإشهار)، حين سافر في بداية 2014 إلى سان فرانسيسكو للقاء مسؤولي غوغل. يقول بولوري: "عندما حطت بنا الطائرة شغلت هاتفي وتلقيت رسالة نصية تخبرني أن هناك بجانب فندقي مطعماً يابانياً يقدم السوشي سومون، بتخفيض 15 بالمائة عن السعر العادي. وعندما وصلت لغوغل وسألت بصوت عال من بعث لي هذا الإشهار أجابوا: نحن، تحققنا من مومقعك منذ نزولك في المطار، لقد اطلعنا على مذكراتك وبريدك وعرفنا في أي فندق ستنزل، وأنك تحبّ السوشي سومون".

بهذه القصة التي يمكن أن تحدث مع أي شخص في العالم، ينبّهنا هذا الكتاب عن سلطة المعلومات التي تضع يدها عليها مجموعة من الشركات العملاقة مثل فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت، ومن هنا يمثّل المؤلفان "البيغ داتا" اليوم بوعاء كبير يحوي كل معلوماتنا، والتي يمكن توظيفها لأي غرض. بات من الممكن اليوم أن يقترح عليك فيسبوك أشخاصاً قد مررت بهم في الشارع في نفس اليوم، وربما يقترح عليك أن تشتري حاسوباً لوحياً بمواصفات سبق أن فكرت بها. يحدث ذلك فقط لأنك تركت تعليقاً أو ربما أخبرت صديقاً بذلك عبر الفيسبوك.

هكذا تفسّر البيغ داتا اليوم الكثير من الظواهر التي يتساءل الناس حولها مثل خياراتهم الشرائية أو الترفيهية، فهذه الخيارات باتت أقرب إلى توجيهات مع وجود شركات قادرة على جمع كل المعلومات المتوفرة عنك ومن ثم حفظها وتمريرها إلى مراكز معالجة المعطيات، فـ"غوغل مثلاً يقوم بمعالجة 24 بيتا أوكتي من المعطيات، ما يعادل ألف مرة المعطيات المخزونة في أكبر مكتبة في العالم".

باختصار - يؤكّد كريستوف لابي ومارك دوغان - نحن مراقبون طوال الوقت، وأننا في النهاية نخسر خصوصيتنا عبر استعمال فيسبوك. يشعرنا هذا الكتاب بعد الانتهاء منه أننا ماضون جميعاً في ذلك الطريق الذي سنخسر في نهايته ذواتنا، "لنتحوّل في ما بعد من عصر الإنسانية الى عصر ما بعد الإنسانية" كما سبق وأن قال فرانسيس فوكوياما.


* كاتب عراقي

دلالات

تعليق: