"الإصبع الإنكليزي"

31 مايو 2020
الصورة
في الثقافة الشعبية السائدة، والتي استغلها ويستغلّها سياسيون كثيرون في مشرقنا ومغربنا العربيين، تعبيرٌ يتردّد للإشارة الى مسؤولية الآخر الغريب عما هو سلبي أو خاطئ أو مدمّر أو مُسيء. وبالتالي، هو يُساعد على نفي أية مسؤولية محلية، شخصية كانت أم مشتركة، عن كل ما هو غير إيجابي. والتعبير يتلخّص في التطرّق إلى دور "الإصبع الإنكليزي" في حياكة المؤامرات وفي تدمير الاقتصاد وفي الاعتداء على الأوطان ومحاربة الثقافات... إلخ. حيث يكون الآخر هنا هو المستعمر أو المحتل أو المعادي وسواهم، ويمكن أيضاً أن يمتد الأمر إلى السابقين من كل أولئك، ولو مرّت السنون والقرون. 
تهمةٌ لاقت استحساناً ليس لدى المسؤولين فقط، بل أيضا لدى فئات شعبية تمكّنت من خلالها من التخلّص من أية ضرورة، ولو جزئية ووقتية، لكي يتحمل الإنسان، فردا أو مجموعة أو دولة، مسؤوليةً عما يحيق به من سلبيات، فصارت الأزمات الاقتصادية ناجمةً عما اقترفوه بحقنا، وبالتالي، لا فساد ولا سوء إدارة في جنباتنا. وإن تطوّرنا في الخطاب للاعتراف بمسؤولية ما ذاتية، فمن السهل ايضاً أن نصل، في وقت من الأوقات، إلى استجلاب "إصبع" الآخر لتحميله أصل هذه العاهة أو العيب. فلولا أنه لم يقم بما قام به، لما كنا قد وصلنا إلى ما نحن فيه (...).
لقد برعت الأنظمة الاستبدادية في استخدام هذا الإصبع في كل شاردة وواردة، إلى درجة أنه 
صار جزءاً من الخطاب المحلي الرسمي، كما الشعبي. وبدأت الجموع تلجأ إليه أيضاً في مناسباتٍ كثيرة بعيداً عن القناعة، وإنما لردّ الضرر النفسي المتراكم، والذي يمكن أن يؤدي بمن يُعمِل العقل والمنطق والقراءة الصحيحة إلى استخلاص مسؤولية أولي الأمر المحليين، من قادة وأحزاب ومجموعات، في غالب المصائب التي تصيب البلاد والعباد، ويمكن له أيضا أن يُبرّئ الآخر، مهما كان تاريخه أسود. وبسبب التاريخ الاستعماري القريب، والذي كان مهيمناً على المنطقة العربية، فقد كان، وما زال، من السهل إيجاد هذا الإصبع مع جنسياتٍ مختلفةٍ حسب الحاجة، وتحميله المسؤولية، من دون كبير عناء.
في آخر الأمثلة الصارخة، وبعد طول تلكؤ من المعنيين في الأمر، خرج علينا "أكاديمي" جزائري بتصريح في الإعلام الحكومي يتحدث فيه عن الإصبع الفرنسي ومسؤوليته في اندلاع الاحتجاجات الشعبية في الجزائر. وحتى هذا التصريح، لم يجرؤ بعد، حتى عتاة الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية وأصحاب المصالح الاقتصادية المتقاطعة مع المؤسسة الحاكمة، على البوح بهذه المسؤولية. إلى درجة أن كثيرين منهم قد أثنوا على الحَراك، واعتبروه وطنياً وبوصلةً لها في تحمّلها مسؤولياتها القيادية بعد التغييرات التي جرت في قمة هرم السلطة. فهل يُغرّد هذا الأكاديمي المُشكك في وطنية الحراك، والذي يعزوه إلى إصبع خارجي منفرداً؟ أم أنه يُتـرجم رغبةً سلطويةً شعرت بأن هناك فرصةً لتغيير الخطاب من مساير شكلاً وقمعي عملياً في اتجاه تخوين القائمين عليه، والتشكيك في وطنيتهم، في بلاد تعتّز بشيبها وشبابها بالانتماء الوطني، وحيث تبلغ الحساسية تجاه التدخلات الأجنبية أقصى درجاتها لدى الموالين، كما المعارضين؟
أشعل هذا النقاش عرض التلفزة الفرنسية فيلما تسجيليا تظهر فيه شخصيات مشاركة في الحراك، ولكن لا يبدو أن عليها إجماعا من حيث "تحرّرها" الذي يعتبره بعضهم غير لائقٍ، وينفي نسبته للحراك، وكأن الحراك، وعلى غير حقيقته العظيمة، يُعبر عن مشاعر فئة دون أخرى من الشعب الجزائري الساعي إلى التحرّر من الاستبداد والتخلص من الفساد. وقد قفزت السلطات الجزائرية 
على الفرصة الذهبية للمزايدة على الحسّ الشعبي، ووقفت إلى يمين المنتقدين من المشاركين في الحراك، مستدعية سفيرها في باريس، ومحتجة ببيان رسمي على بث هذا الفيلم الذي أشخاصه، كما مخرجه، هم جزائريون. وبدا في الحديث الرسمي أن العاملين في المؤسسة الرسمية الجزائرية يجهلون أو يتجاهلون عن عمد أن الإعلام الحكومي، ويُسمى تحديداً الخدمة العامة في الدول الديمقراطية، لا أثر لدور حكومي فيه، إلا أن تمويله يتم أساسا عبر ضريبةٍ يدفعها كل مواطن يملك جهاز تلفزة. وأن هذا الإعلام نفسه هو الأجرأ، حتى من الأقنية الخاصة، على التعرّض لرأس الدولة في بلاده، وانتقاد مؤسسات الحكم على أشكالها. وهم إذ يقيسون الإعلام على مدرستهم الببغائية الخشبية الرسمية، معتقدين أن نشرات الأخبار والبرمجة تُعدّ في أروقة الأجهزة وسراديبها، كما جرت عليه العادة في دول الاستبداد، فهم يستهزئون أولاً بذكاء من يقرأ تصريحاتهم من لدنهم.
في حادثة الفيلم التسجيلي الجزائري، استغلت السلطة حنق بعض المواطنين المشاركين في الحراك على ما يرونه تشويها لحراكهم، لتركب الموجة، وتتابع مسيرتها في القضاء على الحراك نفسه، متذرّعة بالإصبع الخارجي. وفي جوابه على هذا الجدل المسيء للحراك، والذي تتشارك فيه السلطة مع بعض من هم في الحراك، بتحالف موضوعي لاإرادي، على الأقل من أهل الحراك، يقول عالم الاجتماع الجزائري، عبد الناصر الجابي، على صفحته في "فيسبوك"، إن "الحراك يشبه سفينة نوح في تنوعه. ويعكس بكل صدق خصائص المجتمع الجزائري". مضيفاً "مهمتنا أن نعبّر نحن بالدرجة الأولى عن هذا التنوع الجميل، بكل الأشكال الفنية. ننقلها لأنفسنا ولغيرنا بكل حرية".

دلالات

تعليق: