"الأنتليجنسيا التونسية" لمصطفى الكيلاني: محاولة في التاريخ الثقافي

04 فبراير 2020
الصورة
محمد بن سلطان/ تونس
+ الخط -

في أحد مقالاته، لاحظ عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب أن المثقف ككائن اجتماعي "غائب أو مطرود" من اهتمامات البحث في البلاد العربية. المفارقة أن هذا الغياب أو الطرد يمارسه المثقف على نفسه، فهو من يتصدّى لدراسة مختلف الظواهر في المجتمع محدّداً الفاعلين فيها وراسماً مساراتهم وتصوّراتهم ودوافعهم وطموحاتهم، غير أن البيئة التي يتحرّك فيها، ونعني فئة المثقفين، قلما كانت ضمن محاور اهتمامه.

توجد تفسيرات كثيرة لهذا الوضع، منها الإشكاليات النظرية المتعلقة باعتبار المثقفين فئة اجتماعية مستقلة بذاتها أم أن لكل طبقة مثقفيها، إضافة إلى صعوبة تحديد المثقف وتعريفه بدقة، وصولاً إلى إشكاليات عملية تتعلّق بضبط خطاب المثقفين والفروقات التي يتسم بها هذا الخطاب؛ بين عفويته في الحياة اليومية وانضوائه تحت حسابات مركّبة كلما وجد المثقف نفسه تحت مجهر البحث العلمي. دون أن ننسى تقاطعات المثقفين بالسلطة، في مواقع القرار ذاتها وضمن أدوار استشارية، بحيث يعسر نقد المثقف، فلا يُفضي وضعُ المثقفين تحت ضوء الدرس سوى إلى نقد السلطة وتفكيك مقولاتها.

إزاء كل ذلك، كان من الطبيعي ألا تحتوي المكتبة العربية إلا النادر القليل من الدراسات حول المثقفين أو التأريخ لهم، حتى أن المادة الأساسية للتأريخ للمثقفين عادة ما تكون السير الذاتية لبعضهم، على ما فيها من نقائص، وليس نادراً أن يشير المثقف إلى أنه حين يكتب سيرته الذاتية إنما يكتب سيرة جيل أو مرحلة برمّتها. لا يخلو ذلك من صحة، كما لا يخلو من ادعاء، فالكتابة عن جيل أو مرحلة تقتضي فهم أكثر من مسار، علاوة على ضرورة فهم التداخلات بين المثقفين والضمنيّات التي تحكم تصرّفاتهم بحيث يكون تاريخ المثقفين أقرب إلى لوحة فسيفسائية لا يرتسم مشهدها إلا بتركيب عناصر صغيرة كثيرة تتلاحم مع بعضها.

في كتابه "الأنتليجنسيا التونسية" (ديار للنشر، 2019)، يضعنا مصطفى الكيلاني (1953)، في صلب هذه الإشكاليات من البداية؛ حيث ينطلق من تساؤل مفاده: "لماذا هذا الإرجاء الجمعي الصامت لكتابة تاريخ الثقافة التونسية الحديثة والمعاصرة؟". يُسلّم هذا التساؤل بأن التأريخ للمثقفين ممكن في تونس، فحضور هؤلاء بارز، غير أن أسباباً كثيرة حالت دون صياغته ليكون نتاج ذلك أن مثقفي تونس "أشباه أيتام بلا تاريخ منتظم، وبلا ذاكرة تقريباً". يبقى أن هذا اليتم يبدو مقصوداً إلى حدّ كبير، فما نفهمه على مدار العمل أن الأدوار التي لعبها المثقفون كان من الضروري أن تظلّ مغفلة عن كل توثيق.

يُعلِمنا الكيلاني أن التصدّي لهذا التاريخ لا يمكن أن يستند إلى الوثائق، وهي مفقودة في الغالب وما بقي منها لعبت بها أيدي العابثين حتى تفسّخت دلالاتها، لذلك فهو يشير إلى أن مادته تستند إلى المترسّب من التاريخ في الشفوي على ما في هذا الخيار من علّات، فالكثير من الوقائع قد سقطت طيّ النسيان والكتمان.

لم يُقم الكيلاني عمله على خطّ كرونولوجي، بل كان يرسم لقارئه خطوطاً عريضة وعلى ضوئها يقرأ فترات من التاريخ التونسي المعاصر. أول تلك الخطوط يأتينا من العنوان الفرعي (بين تاريخ الأحقاد ودولة الفساد)، وهو بذلك يشير إلى حال المثقفين اليوم، حيث إن تقييماتهم تحكمها الأيديولوجيا قبل الحسّ السليم، ولا تزال الدولة الفاعل الثقافي الأساسي في البلاد. كما يشير الكيلاني في متنه إلى أن الثقافة في تونس "ظاهرة وخفيّة"، وبين هذا وذاك هناك قنوات تربط بينهما، دون أن ننسى أقطاباً أخرى، كالهامش والمركز، والسلطة والمعارضة (...).

بين هذه الثنائيات، يبحث الكاتب التونسي عن "المتكرّر في الثقافة التونسية" (عنوان الفصل الثاني)، وهو بحث يفضي به إلى مسألة الإصلاح في تونس، والذي هو مبدأ يُعتمد كلّما "آل وضع الدولة إلى الوهن"، ويتوقف العمل به "حينما يستعيد نظام الحكم بعضاً من القوة"، وهنا يعود الكيلاني إلى القرن التاسع عشر حين سرّعت الدولة الحسينية في الإصلاح تفادياً لمصير الجزائر مع الغزو الفرنسي في 1830، مستقطبة لهذا الغرض جزءاً من المثقفين قبل أن يؤول كل شيء إلى الفشل، أو الإفشال كما يؤكّد المؤلف.

بالمنطق نفسه اشتغلت دولة الاستقلال، فالمثقف مدعوّ لحلحلة معضلات الواقع الاجتماعية والسياسية دون مساهمة في صياغة التصوّرات الكبرى، لتبقى نظرة الحاكم للمثقفين في مجملها دونية، منفعية في أحسن أحوالها، لا يختلف في ذلك زمن بورقيبة عن زمن بن علي، وهنا يقدّم الكيلاني ملاحظة دقيقة حين يلفت إلى أن الثقافة كقطاع كانت ملحقة بالإعلام الرسمي في زمن بورقيبة، إضافة إلى توظيفها في سياقات "واجهاتية احتفالية"، وهو مسار ذهب به أوّل رؤساء تونس إلى نهايات حكمه الذي امتد لثلاثة عقود، حتى أن إعادة الاعتبار للمثقف كانت من أسس تصوّرات خليفته، ضمن مشروع إصلاحي شامل سيكون هو الآخر أسيرَ ضيق أفقه، حيث إن إعادة الاعتبار للمثقف لم تكن سوى بتحويله إلى "مثقف الخدمة"، بعبارة الكيلاني، فذلك هو نموذج المثقف الذي يمكنه الاندماج مع الفاعلية السياسية والاجتماعية فيما يبقى من لا يرضى بهذا القالب منبوذاً.

يصل الكيلاني إلى لحظة 2011 لكنه لا يقدّم مقولة جامعة حولها بل مجرّد تساؤلات وملاحظات، حيث يعتبرها لحظة إصلاح جديدة لكنها تصادفت مع تغيّرات نقلت مركز ثقل الثقافة من الدولة عبر أجهزتها، كوزارة الثقافة وحتى البوليس، إلى عالم المال وتمظهره الإعلامي، التلفزيوني أساساً، في زمن ما عاد للمثقف دور مباشر يؤدّيه داخل المجتمع، وخصوصاً أن السلطة التي كانت توزّع الأدوار قد ترنّحت امام مطالبات إصلاح شعبية عالية الصوت يبدو أنها تتجاوز ما يمكن للمثقفين أن يقترحوا إجابات عليها، كما يشير في سياق آخر إلى أن تهميش المثقفين وحصرهم في قطاعاتهم هو اختيار صامت ممنهج القصد منه استئثار السياسيين، ومعظمهم من رجل المال، بشؤون تسيير المجتمع.

من المتكرّر الذي يلتقطه الكيلاني، ما يسميه بـ"الصفة النمطية للمثقف"، وهو المثقف الساعي للجاه بالعلم، ونموذجه في ذلك ابن خلدون، "العلّامة" التونسي المولد، وهو وضع يجعل من المثقف في الوقت نفسه مسوِّقاً لخدماته ومُعرَّضاً للوشاية في كل حين، ما يخلق - ضمن مجتمع المثقفين - مناخاً محكوماً بالانتهازية والتباغض والدسائس وتبخيس التميّز. يعود هنا الكيلاني إلى سير مثقفين تونسيين كثر، مثل خير الدين وأحمد ابن أبي ضياف وسالم بوحاجب ومحمد بيرم الخامس وحسن حسني عبد الوهاب، حيث حظوا بهامش من حرية التفكير والتعبير لكن داخل منظومة الحكم لا خارجها، وكل من تطاول على المساحة المرسومة له كان يخرج مطروداً من دوائر القرار.

صحيح أن محاولة الكيلاني للتأريخ لـ"الأنتليجنسيا التونسية" رائدة، غير أنه كان من الممكن أن يغذّي كتابه بالكثير من الإحالات إلى نصوص أخرى وأمثلة عينية؛ وفي غيابها تغلب نزعة انطباعية على الكثير من مقولاته، وإن كان يحسب للمؤلف قدرته على اقتراح فرضيات مُخصِبة وعالية الدلالة بحيث يمكن للقارئ أن يطبّقها على وقائع أبعد مما جاء في الكتاب.

من هذه الفرضيات ملاحظته لحالة من الانفصام يعانيها المثقف في تونس، فكثيراً ما تأتي قناعاته في واد وممارساته في واد آخر، ويعلّل المؤلف ذلك بواقع التعليم في مرحلة بناء دولة الاستقلال، حيث كان من حق التلميذ أو الطالب أن يتعلّم كل شيء ويتقبل جميع الأفكار ويناقشها، إلا أنه لا حق له في "معارضة الزعيم" في الفضاء العام، وبالتالي لا حق له بأن يفكّر كما يشاء بعد التخرّج، ما ينتج حالة من الصمت والمجاراة أو الانضواء تحت معارضة متشظّية لا تقوى على هزّ النظام أو إرباكه.

حين يستكمل لوحة الفسيفساء، يخلص المؤلف إلى أن الثقافة في تونس لم تكن ظاهرة تتقدم الحياة المجتمعية، بل هي أساساً تابعة لنظام الحكم، وإذا كان النظام قد اهترأت سلطته فما عاد قادراً على تحريك الواقع كما يشاء، فإن مجتمع المثقفين ليس قادراً على أخذ موقع قيادي بسبب تعطّل الحوار داخل مكوّناته.

هذا الواقع الجديد محكوم بقطبين، يسمّيهما الكيلاني: "آلة الأحقاد وآلة الفساد، الأولى حركةُ اشتغالِها أفقية، مثل قاطعة الأشجار تضرب يميناً ويساراً بثارات قديمة وأخرى حادثة، والمنتقمون عادة ما يُنتقم منهم في الآخر"، وأما آلة الفساد فـ"حركة اشتغالها عمودية، كحفّارة يتسلل فولاذها إلى عميق روح الحياة الفردية والجمعية"، وضمن ذلك ما تعيشه الثقافة اليوم من ترويج للتفاهة وإهمال تسييري، وهو واقع يدعو إلى إعادة النظر في تصوّراتنا للثقافة وأدوارها وفهم أسئلتها الجديدة، وليست محاولة كتابة تاريخها إلا أحد عناصر الإجابة عن كل ذلك.

دلالات

المساهمون