"الأغذية والأدوية": عودة إلى طب القرن التاسع

01 ابريل 2020
الصورة
(مقطع من رسم متخيَّل لأبي بكر الرازي، حسين بهزاد)
+ الخط -

شهد القرن التاسع الميلادي طفرةً في علوم الطب والصيدلة عند المسلمين، انعكست في مجال التأليف مع ظهور موسوعات في الغذاء والعلاج، وكتب متخصّصة جاءت ثمرة حركة الترجمة والنقل عن الحضارات اليونانية والفارسية والهندية، ومثلّت تطوّراً عبر تصحيحها العديد من المفاهيم والأفكار الخاطئة.

واحتوت تلك المؤلّفات على معلومات دقيقة في وصف الأطعمة والأعشاب ومقادير استخدامها عند المرض، وفي الوقاية منه أيضاً، حيث وضع مؤلّفوها موازين خاصة لتحديد الجرعات المطلوبة من الدواء بأوزان ومكاييل صغيرة انتقلت إلى أوروبا لاحقاً.

"الأغذية والأدوية" عنوان المخطوطة التي ألّفها الطبيب والفيلسوف إسحاق بن سليمان (الراحل سنة 341 هـ/ 952 م)، وصدرت حديثاً عن "المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون/ بيت الحكمة" بتحقيق وتقديم وشرح الباحثة فاطمة الأخضر في جزأين يشتملان على أربعة مجلّدات وفهارسها.

يشير المؤلّف في الكتاب إلى أن "السبب الذي دعا الأوائل إلى الكلام في طبائع الأغذية هو أنهم لما عنوا بالبحث عن الصحة وأسبابها، والأمور الداعية إلى حفظها، وجدوا الأبدان مضطرة إلى أمرين، أحدهما: إعطاؤها من الغذاء ما يصلحها مما به قوتها وقوامها، ولحاجتها إلى ردّ ما يتحلّل منها بوقود الحرارة الغريزية من باطنها وحرارة الهواء من ظاهرها.. والآخر نفي ما يجتمع في الأبدان من قسم الغذاء المخالف لمزاجها..".

ويتناول ابن سليمان أيضاً تصنيف الطعام من حيث مذاقاته، ويعدّد فوائد كلّ منها أو أضرارها على الجسم، أو التغيّرات التي تصيبه، مشيراً إلى التداوي بها في حالات البرد أو المغص أو الإسهال أو الإمساك أو ارتفاع الحرارة أو آلام الأمعاء والقولون وغيرها، مورداً أنواعاً وأشكالاً كثيرة من الأغذية والمأكولات النيئة والمطبوخة في العديد من البلدان، مفصّلاً استخداماتها المتعدّدة وكيفية الاستفادة منها وحفظها من التلف والفساد.

كما يتوسّع في ذكر الأطعمة والأدوية على امتداد أكثر من ستمئة صفحة، مستنداً إلى ما قاله الأقدمون إن ثبتت صحته، ومضيفاً عليه الكثير مما اختبره بنفسه، ويبدو العمل أقرب إلى الموسوعة التي تفرد باباً لكل صنف طعام، وهو أسلوب اتبعه كثير من الأطباء في تلك الفترة.

وقد وضع بن سليمان مؤلّفات عديدة منها "الحميات" الذي اعتبره أفضل أعماله، و"كتاب البول"، و"كتاب الأسطقسات"، ويبرز فيها منهجهه التجريبي في الطب القائم على التجربة والقياس، وعدم تحرّجه في الردّ على كبار أطباء اليونان ومنهم ديسقوريدس.

المساهمون