"الأشكال الأولية للحياة الدينية": دوركهايم عن المقدّس والحياة المعاصرة

09 سبتمبر 2019
الصورة
("كتاب من السماء"، عمل لـ شو بينغ)

لم يلق كتاب "الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا" لـ إميل دوركهايم عند صدوره عام 1912، ترحيباً لدى النخب والأوساط الأكاديمية في الغرب، وجرى التعامل معه بوصفه نصاً هامشياً يعارض المواقف المتطرّفة لدى أتباع الفلسفة العقلانية تجاه استمرارية المقدّس في الحياة المعاصرة.

نُقل الكتاب إلى العربية على يد حسن أنيس في عام 1966، لتصدر نسخة جديدة منه حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بترجمة رندة بعث، ما يثير التساؤل عن كيفية تلقيه عربياً، خاصة في ظلّ التحوّلات الجارية في التصوّرات الجماعية حول الدين منذ أكثر من خمسين عاماً.

يرى عالم الاجتماع الفرنسي (1858 - 1917) أنه لا يمكن فهم الدين كنظام عقائدي بشكل سابق على كونه مجال خبرة في حياة الأفراد والجماعات، موضحاً أن الحديث عن الحياة الدينية يماثل الخوض في الحياة الاقتصادية أو الفكرية، وبالتالي يتم تحييد العديد من المفاهيم المسبقة.

يرفض دوركهايم ابتداءً اعتبار الأشكال الأولية للحياة الدينية كمرحلة أولى في سلسلة تطورية أحادية نحو ما يمكن تسميته "الأشكال المتحضرة" لنظيرتها في الغرب، موضّحاً أن الطقس الجماعي الديني يولّد جملة من المشاعر والانفعالات المشتركة التي يجرى بواسطتها ترسيخ أنماط للفعل والتفكير عبر تحويلها إلى مؤسّسات تمتلك قوة الإكراه.

ويثبت مقولة جوهرية حول عدم شمول ديانات تحظى بانتشار واسع مثل البوذية والأديان السماوية على فكرة الإله المتجسّد والأرواح، أو أنها لا تشكل إلّا مسألة ثانوية فيها، لكن ذلك لا يلغي الطقوسية التي تقدّم الدين كنظام مركب من الأساطير والعقائد والشعائر والطقوس.

على هذا النحو، تنتظم الظاهرة الدينية في إطار المعتقدات والشعائر، حيث الأولى تعبّر عن طبيعة المقدّس وعلاقته مع الدنيوي، والتي تستند عليها الثانية كقواعد عمل توضح وتحّدد كيفية التعامل مع المقدّس، لتوحّد هذه المعتقدات والممارسات الجماعة التي تبلور نفسها كمؤسّسة لاحقة لكل الذين ينتمون إليها.

ويطوّر في الكتاب نظرية عامّة عن الدين بتحليل المؤسّسات الدينية البدائية الأبسط، ويجادل بأن الدين مجموعة من العقائد والعادات، بينها علاقات متبادلة ومرتبطة بأشياء مقدّسة، ويقترح تصوُّراً جديداً للدين وللقوى الاجتماعية التي ينتجها.

يتناول دوركهايم الظاهرة الدينية بجدية عالية، مخالفاً العديد من التفسيرات المبسّطة لتأثيراتها ومدى استمراريتها، معتبراً أن الإنسان والطبيعة لا يمتلكان قدسية بحد ذاتهما، لذلك فهما يستمدّانها من مصدر آخر خارجهما عبر توليد افتراضات تفسيرية غير ثابتة تقدّم معنى للأفعال والحالات التي يشتركان في عيشها.

يتألّف الكتاب من مقدمة وخاتمة وثمانية عشر فصلاً في ثلاثة أقسام. تضمّ المقدمة، وهي بعنوان "موضوع البحث: السوسيولوجيا الدينية ونظرية المعرفة"، موضوعَي الكتاب، وهما: تحليلُ أبسط دين معروف بهدف تحديد الأشكال الأولية للحياة الدينية، ونشوءُ المفاهيم الأساسية في الفكر وأسباب الاعتقاد أن لها أصلاً دينياً، ومن ثم أصلاً اجتماعياً.