"الأسماء المستعارة"... قيود جديدة على صحافة مصر

18 مايو 2020
الصورة
أتت القرارات بعد مقالات في المصري اليوم (كارستن كوال/Getty)
+ الخط -
يوم الثلاثاء الماضي، قرّر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر منْع الصحافيين من النشر تحت أسماء مستعارة إلا بعد موافقة كتابية منه. وقال البيان الذي نشره المجلس على موقعه الإلكتروني "تلتزم المؤسسات الصحافية والصحف والمواقع الإلكترونية بعدم نشر أو بث أي مواد صحافية تحت أسماء مستعارة إلا بعد التقدم بطلب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام".
وأشار إلى ضرورة أن يتضمن الطلب "مدة استخدام الاسم المستعار والغرض من استخدامه وبيانات مستخدمه، وفي جميع الأحوال لا يجوز نشر أو بث المواد المشار إليها إلا بعد أخذ موافقة كتابية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام".
جاء قرار "الأسماء المستعارة" على خلفية أزمة "مقالات نيوتن"، الاسم المستعار في عمود بصحيفة "المصري اليوم" الخاصة، والتي أحدثت جدلاً في الوسط الإعلامي بعد أن تعرّض الكاتب فيها إلى سيناء واقترح تغيير وضعها الإداري في الدولة.
وعلّق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على الأمر في إحدى الفعاليات الشهر الماضي لكن دون إشارة صريحة لـ"نيوتن". وفي 12 إبريل/ نيسان الماضي، أقر المجلس الأعلى للإعلام ما وصفه بـ"جُملة عقوبات" بحق صحيفة "المصري اليوم" الخاصة. بلغت هذه العقوبات تسعاً وطاولت الصحيفة ورئيس تحريرها ومالكها، وتراوحت بين الغرامة المالية والإحالة إلى التحقيق، سواء التأديبي بنقابة الصحافيين أو الجنائي بالنيابة العامة وحجب أحد أبواب الجريدة ورقيّاً وإلكترونيّاً والمنع من الظهور في وسائل الإعلام. جاءت كافة العقوبات على خلفية سلسلة مقالات لمالك الجريدة، صلاح دياب، تتعلق بسيناء.
قرار اتخذته السلطات بحجة "الحفاظ على الملكية الفكرية"، حسبما ورد على لسان عدد من أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بينما يراه مراقبون "حلقة جديدة في قمع الصحافة المصرية وقيوداً جديدة على الكلمة".
وفي هذا السياق، اعتبرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير (منظمة مجتمع مدني مصرية) أن ما جاء في سلسلة المقالات "يقع ضمن نطاق حرية التعبير المكفولة وفقاً للدستور المصري والمواثيق والعهود الدولية التي صدَّقت عليها مصر. إن حرية التعبير لا تقف عند حدود الأفكار المقبولة اجتماعيّاً، الأفكار المستساغة، الأفكار التي تحبها الحكومة، أي حكومة، وأجهزتها وهيئاتها المختلفة. وإنما تمتدّ، وهذا هو بالأساس منطق وجودها، لتحمي الأفكار التي قد يراها البعض غريبة أو صادمة أو شاذة عن المألوف، أما الأفكار المقبولة اجتماعيّاً فلا تحتاج إلى من يحميها".

ودعت المؤسسة المجلسَ الأعلى لتنظيم الإعلام إلى مراجعة تلك القرارات وإلغائها، كما دعت إلى مراجعة سياسة المنع والحجب التي يُلاحق بها المجلس أصحاب الرأي. وأشارت المؤسسة إلى نصّ المادة الثامنة من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018 والتي تنص على أنه "لا يجوز أن يكون الرأي الذي يصدر عن الصحافي أو الإعلامي أو المعلومات الصحيحة التي تصدر عن الصحافي أو الإعلامي سببًا لمساءلته".
وللأسماء المستعارة في الصحافة المصرية بُعد تاريخي، ارتبط بعصور الكبت في الصحافة المصرية، لذا قبل التطرق إليه يجب الإشارة إلى أنه يقبع على الأقل 29 صحافياً في السجون، كما تم حجب أكثر من 500 موقع إلكتروني في مصر، وفقاً لأحدث إحصاءات نشرتها منظمة مراسلون بلا حدود. وبحسب التصنيف الدولي لحرية الصحافة لعام 2020 فإن مصر تحتل المرتبة 166 في قائمة تضم 180 دولة، متراجعة 3 مراكز مقارنة بالعام الفائت، وفقاً للمنظمة.
وطالما كانت الأسماء المستعارة واحداً من أبرز مقومات الصحافة المصرية خلال العقود الماضية، وكانت دائماً حيلة أصحاب الرأي في عصور الكبت، بعضها استخدم أسماء فنانين مشهورين مثل "رشدي أباظة" و"أنور وجدي" و"نادية عابد"، وبعضها اشتهر لغرابته مثل "حندي" و"أبو نضارة" و"سونة" و"زوجة أحمد" و"الملحوس" و"بنت الشاطئ" و"ميكي ماوس" و"فرفور" و"الشيخ علام" و"جدول الضرب" و"ممصوص"... وصولاً إلى "نيوتن" في "المصري اليوم"، و"ابن البلد" في صحيفة "اليوم السابع" الخاصة، وجميع الكتاب الأصليين لهذه الأسماء كانوا معروفين في الأوساط الصحافية والسياسية، لدرجة تردد مقولة "الوحيد الذي لا يعرف أن الناس تعرف أنه يكتب باسم مستعار هو الكاتب نفسه" في الأوساط الصحافية المصرية.
وباعتبارها واحدة من القضايا الجدلية التي حظيت بعديد من النقاشات والجدالات المجتمعية والقانونية، أشارت مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى قرار الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 15 يوليو/ تموز 2006، بإصدار القانون رقم 147 لسنة 2006، بشأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات المصري، نصّت المادة السادسة في هذا القانون على: تضاف إلى قانون العقوبات مادتان جديدتان برقمي 200 مكرر، و200 مكرراً (أ). ونصت الأخيرة منهما على: "يكون الشخص الاعتباري مسؤولاً بالتضامن مع المحكوم عليه من العاملين لديه، عن الوفاء بما يحكم به من التعويضات في الجرائم التي ترتكب بواسطة الشخص الاعتباري من الصحف أو غيرها من طرق النشر، ويكون مسؤولاً بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية إذا وقعت الجريمة من رئيس التحرير أو المحرر المسؤول. وتكون مسؤولية رئيس التحرير أو من يقوم مقامه في الإشراف على النشر مسؤولية شخصية. ويعاقب على أيٍّ من الجرائم المشار إليها في الفقرة السابقة بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه، وذلك إذا ثبت أن النشر كان نتيجة إخلاله بواجب الإشراف". وأشارت المؤسسة إلى أن الصحافي محمود مصطفى بكري قد أقام طعناً بعدم دستورية "الفقرة الثانية من المادة 200 مكرر (أ)" لدى المحكمة الدستورية إلا أن الأخيرة رفضت الدعوى وحكمت بدستورية المادة، في القضية رقم 139 لسنة 29 قضائية دستورية.

وطرأت تغييرات طفيفة على تنظيم مسألة المسؤولية التضامنية لرئيس التحرير وفقاً لقانون تنظيم الصحافة والإعلام، حيث نظّم القانون تلك المسؤولية وفق نص المادة (110) من باب العقوبات والذي "يُعاقب بذات العقوبة المقررة عن الجرائم التي ترتكب بالمخالفة للقانون 180 لسنة 2018 المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري، ورئيس القسم المتسبب في ارتكاب الجريمة، إذا ثبت علم هذا المسؤول بها، أو كان من ضمن واجباته الوظيفية أن يعلم بها، وكان إخلاله بالواجبات التي تفرضها عليه وظيفته قد أسهم في وقوع الجريمة. وأنه في جميع الأحوال، يكون الشخص الاعتباري مسؤولاً بالتضامن عن الوفاء بما يُحكم به من عقوبات مالية أو تعويضات".
وطالبت المؤسسة النيابة العامة المصرية بحفظ التحقيق مع كاتب "سلسلة المقالات" صلاح دياب وإسقاط أية اتهامات بحقه أو بحق رئيس التحرير وفق مسؤوليته التضامنية عن النشر. كما طالبت المجلس الأعلى للإعلام إعادة النظر في قرار العقوبات التعسفية التي أصدرها تجاه جريدة المصري اليوم ورئيس تحريرها وأحد كتاب الرأي فيها. وكذلك طالبت مجلس النواب المصري البدء في مناقشة مشروع قانون حرية تداول المعلومات وإقراره قبل انتهاء دور الانعقاد الحالي والذي يعد الأخير قبل إعادة انتخابه.​ وأكدت المؤسسة أن الأفكار لا يمكن مقابلتها أو الرد عليها سوى بالأفكار والنقاش والمزيد من الإفصاح عن المعلومات والبيانات التي تجعل الجميع على بيَّنة مما يكتب.

المساهمون