"الأرخبيل الفرنسي": اعتراف بنهاية التجانس

21 مايو 2019
الصورة
(تجهيز لـ أنيت ميساجيه)
+ الخط -

شهد المجتمع الفرنسي في عقوده القليلة الماضية، هزّاتٍ كبرى ليس أقلها الانتخاب المفاجئ للرئيس إمانويل ماكرون، وهو من خارج الصف الأول للمشهد السياسي لما قبل 2017، واندلاع تظاهرات السترات الصفر، ناهيكَ عن تنامي الإرهاب والتطرّف اليميني. ولذلك اعتكف الباحثون في علوم السياسة والاجتماع على تحليل عوامل هذه الهزّات في قاع الأبنية الإناسية لهذا المجتمع.

آخر ما صدر في هذا المضمار كتاب "الأرخبيل الفرنسي: نَشأة أمة متعددة ومنقسمة" (عن دار سوي، شباط/ فبراير 1919) للباحث الفرنسي جيروم فوركيه، المتخصّص في الدراسات السياسيّة.

وقد سبق له أن اشتغل على نشأة حزب اليمين المتطرف الفرنسي "الجبهة الوطنية"، وعالج المواقف والسلوكات السياسية ذات العلاقة بالأديان والهجرة والهويات، علاوةً على تَخصصه في الجغرافيا الانتخابيّة ودراسة خيارات الناخبين بحسب انتماءاتهم المناطقية والمهنية والعمريّة. وقد فاز كتابُه هذا بجائزة "التأليف السياسي" لهذا العام، وهي جائزة تُسند لأحسن الأعمال البحثية في استجلاء الظواهر السياسية في فرنسا وتداعياتها.

ابتدأ الباحث عمله بملاحظةٍ بديهية: تغيّر كلّ شيءٍ في فرنسا خلال الأعوام المنصرمة. فلم تعد الأمّة الفرنسية قويةً واحدة، غير منقسمةٍ، تؤول إلى مرجعية متجانسة. وعندما يسعى العقل إلى رصد هذه المتغيّرات يجد نفسه أمام "أرخبيل"، يتألّف من مجموعة جزرٍ صُغرى، تتجاورُ ولا تتحاور. لا أحدَ من ساكنيها يَعلم بما يجري على سطح الجزيرة المُصاقبة.

هكذا، بُنِي الكتابُ على استعارة حية، شبَّهَ من خلالها فوركيه المجتمعَ الفرنسي بأرخبيل. وأما وجهُ الشبه بينهما فتجاورُ مجموعة من الجزر الصغرى والكبرى، ولا جامعَ بينها سوى الانتماء إلى وحدة جغرافية، فكل جزيرة تَملك استقلالها الذاتي. وهذا هو شأن المجمع الفرنسي اليوم، الذي بات يتألف من كيانات متنافرة منقسمة، رغم الانتماء الذي يشدّها إلى مُسمّى فرنسا، الذي صار لا يحيل على مدلوله المعهود. فهي منعزلة بعضُها عن بعض، تعاني من سوء الفهم في ما بينها وقد تتناصب العداء ضمن ما اصطلَح عليه الساسة بـ"الشرخ المجتمعي"، والمجاز من مُبتَكرات الرئيس الأسبق جاك شيراك.

وتطرّق الباحث الفرنسي بعد هذا الملحظ الأولي، إلى رصد التحولات التي طاولت الممارسات والشفرات الأنثروبولوجية والرمزية، فسجّل تطوّر علاقات الفرنسيين بالجَسد، وذلك من خلال انتشار ظاهرة الوشم مثلاً أو حَرق الجُثث بعد الممات، وقد كان هذا لديهم من المحرّمات، ومن خلال علاقاتهم بالحيوان ونظام التغذية، ولا سيما بعد شيوع ظاهرة النباتية.

ولكن هذه التحوّلات ليست سوى مؤشرات ظاهرة على تغيرات أعمق مَسّت أركان المجتمع الفرنسي وأسُسه، فقد انهارَت صورة فرنسا القديمة المتجانسة، لتحلَّ مَحلها صورة أمةٍ مترددة، تبحث عن هُويتها بعد أن تناحرت نُخبُها الحاكمة وتفكّكت أحزابها التقليدية، وتضاربت المرجعيات الأيديولوجية لمفكريها، وبعد استقلالية الطبقات الشعبية الكادحة، وانغلاق "القلعة الكاثوليكية" على نفسها. وبكلمة، انبجس مجتمعٌ متعدّد المرجعيات والآفاق والأهداف. ومن مظاهر هذا التفكّك، التنوّع المذهل في الأسماء الصغرى والألقاب، التي بات الفرنسيون يحملونها في فسيفساء عاكسة لعمق هذه الشروخ.

ويَستخلص الكاتب من هذه الملاحظات أنّ مختلف الأركان التي انبنى عليها المجتمع الفرنسي، وهي التي كانت في السابق تضفي عليه طابع التجانس والتقارب، وخاصة الأرضية الكاثوليكية المشتركة، وما يقابلها من القيم الجمهورية كالعلمانية وسيادة القانون، فضلاً عن بعض الملامح الثقافية المميزة. كل هذه الأركان انثلمت فتهدّمت معها الوحدة، ما أدّى لا فقط إلى انشطار هذا المجتمع، وإنما إلى انزلاق كبير حتى في القواعد والشفرات الثقافية التي تضبط سلوك الأفراد في معيشهم اليومي. أصبحت الأجيال الجديدة من الفرنسيين تعيش ضمن كونٍ رمزي، وتتشارك مجموعةً من القيم تبتعد كثيراً عما عهدته فرنسا منذ قرون.

وبأسلوب رؤيوي، يشير الباحث الفرنسي إلى أنَّ المرحلة الراهنة لا تزال محكومةً بشيءٍ من التوازن الديموغرافي، يضمن تعايش الأنماط الثقافية وتجاورها. ولكن في السنوات القليلة المقبلة، قد يشهد المجتمع الفرنسي هزات أعنف وأعمق. وقد يعقب هذه التحولات مسارٌ من الانشطار عميق، يهدد المجتمع الفرنسي ويقسمه إلى كيانات متباينة، لا يربط بينها شيء. وعلى ضوء هذا التشظي الذي طاول سائر الأبنية المجتمعية، يمكن فهم آخر التطورات ومنها انتخاب الرئيس الحالي ماكرون، رغم أنه لم يأت من أي حزب تقليدي، ومشاكل الهجرة وصعود النزعات المتطرفة.

وقد خصّص المؤلف، ولا مندوحةَ عن ذلك، الفصل الرابع بأكمله للمكانة التي يحتلها العَرب المسلمون في فرنسا، فهم يشكلون، حسب الاستعارة التي تحكم نسيج كتابه، "جزيرةً" على حدة، يسكنها الجيل الأول الذي هاجر من بلدان المغرب العربي ثم أبناء الجيلين الثاني والثالث، فضلاً عن مسلمي أفريقيا وآسيا وقد باتوا يمثلون "الأقلية المرئية" التي تتسم بنسبة عالية من النموّ الديمغرافي واستعمال ألسن أجنبية والاعتماد على قيم دينية، مع بيان جغرافية توزيعهم على المحافظات الفرنسية.

ثم تساءل عن قضايا الاندماج والتواصل ضمن الإطار العام، من خلال انتقاء الأسماء والمشاركة في الانتخابات والتألق أو الفشل في المدارس، وعلاقاتهم بحزب "الجبهة الوطنية" بقيادة مارين لوبان، وما ارتأوه من المواقف إبان مذبحة شارلي إيبدو (2015)، وما عكسته من تباين في الانتماء واختلافٍ في نَظرتهم للعالَم.

أما على مستوى المنهج، فالكتاب بمثابة استقصاء سوسيولوجي - سياسي لملامح فرنسا الجديدة، وما باتت تنطوي عليه من الكيانات الداخلية والعناصر المتباينة، حاول فوركيه قراءَتَها من خلال الجمع بين منظورات عدّة مثل استِطلاعات الرأي وتحليل أسماء الأعلام، ومعالجة الخرائط الانتخابية المُلونة وإجراء البحوث الميدانية على مختلف الجماعات. وهي منهجية تمكن الباحث والقارئ، على حدٍّ سواء، من أن يظل قريباً من المعطيات الملموسة والوقائع الحقيقية التي تشكّل لُحمة المجتمع الفرنسي.

ولذلك ازدان هذا الكتاب المؤلف من 384 صفحةً، بمجموعة كبيرة من الخرائط والجداول والبيانات الأصلية التي أنجزها المتخصص في علم الجغرافيا ورسم الخرائط، سيلفان مانترناش، ما جعل الكتابَ مزيجاً من التحليل السياسي والجغرافيا البشرية، المدعوم بقوة الأعداد واللوحات البيانية والرسوم.

"أرخبيل فرنسا" وصفٌ مفصل لأبرز الهزات والانقسامات في المجتمع الفرنسي. ولكنَّ تحليلاته تنطبق بشكل كبير ليس فقط على بقية البلدان الأوروبية، بل حتى على بعض المجتمعات العربية - الإسلامية. فزاوية النظر فيه طريفة واعدة: رَصد جذور التحولات الكبرى التي لا تفتأ تعصف بمجتمعاتنا، فتجعل منها ذوات مرجعياتٍ متضاربة رغم التجاور الجغرافي لوحداتها وعناصرها التكوينيّة. ألا يساعد هذا التشخيص في استكناه ما تمر به البلدان العربية الآن من تعدّد في المرجعيات وتصارع على امتلاك الرأسمال الرمزي، سواء بين صفوف السلطات الدينية أو النخب الفكرية وحتى الناشطين في وسائل التواصل؟ أليس أرخبيل فرنسا من عوامل ظهور أرخبيلات مماثلة في العالم العربي؟

المساهمون